في إجابة شاملة على سؤال: “لماذا لا يشعر التونسي بانخفاض التضخم؟”، أكد أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي أن أرقام التضخم الرسمية لا تعكس بالضرورة الواقع المعيشي للمواطن. وقال إن هذه الأرقام، رغم أهميتها، غالبًا ما تخفي عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد منذ 2015، والتي تسارعت حدتها بعد 2021.
وأوضح الشكندالي أن التضخم في تونس لم يكن مجرد ظاهرة نقدية ظرفية، بل تحوّل تدريجيًا إلى آلية لإعادة توزيع الدخل على حساب الأجراء والطبقة الوسطى، كما أصبح عاملًا صامتًا في تفكيك الاستقرار الاجتماعي.
واعتبر أن الفترة المرجعية منذ 2015 تُستخدم لكون الأرقام التفصيلية متاحة فقط ابتداءً من هذه السنة، وهي سنة الأساس في احتساب التضخم المالي. وأشار إلى وجود فجوة تتزايد من شهر إلى آخر بين أرقام المعهد الوطني للإحصاء وما يعيشه المواطن فعليًا في حياته اليومية.
وحسب المعطيات الرسمية، ارتفع معدل التضخم من حوالي 5٪ في جانفي 2015 إلى ذروته عند 10.3٪ في ماي 2023، قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى 4.8٪ في جانفي 2026. غير أن الشكندالي اعتبر أن هذا التراجع لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في مستوى المعيشة، بل يشير فقط إلى تباطؤ وتيرة الغلاء بعد أن وصلت الأسعار إلى مستويات مرتفعة يصعب التراجع عنها.
وأشار إلى أن التضخم لا يُقاس فقط بسرعة ارتفاع الأسعار، بل أيضًا بقدرة المجتمع على امتصاصه. وبالاعتماد على تطور المؤشر العام للأسعار عند الاستهلاك، وبتضمين كامل قفة المواطن التونسي، بلغ معدل التضخم المالي خلال الفترة الممتدة بين جانفي 2015 وجانفي 2026 نحو 8.5٪.
وأضاف أن طبيعة التضخم تغيّرت بعد جويلية 2021، حيث ارتفع المعدل إلى حوالي 8٪ سنويًا، مع تركيزه على المواد الأساسية، في وقت تقلصت قدرة الدولة والأسر على التكيّف. وأوضح أن هذه الفترة القصيرة زمنيًا كانت أشد وقعًا على الأسر بسبب بطء النمو، وتراجع الاستثمار، وارتفاع معدلات البطالة، وهو ما يجعل المقارنة الزمنية البسيطة غير كافية لفهم الأثر الحقيقي للتضخم.
ولفت الشكندالي إلى أن المؤشر العام للأسعار عند الاستهلاك يدمج مواد مدعّمة وأخرى غير أساسية وخدمات لا تمثل أولوية في إنفاق غالبية الأسر، ما يؤدي إلى “تخفيف إحصائي” من حدة الغلاء الحقيقي. وعند التركيز على قفة استهلاك المواطن، التي تمثل حوالي 62.5٪ من إنفاقه الشهري، تظهر الصورة بشكل مختلف، إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية والكراء والخدمات الحيوية مثل الصحة والتعليم، ما جعل الجزء الأكبر من دخل المواطن موجهًا لتغطية الضروريات، على حساب الادخار أو تحسين مستوى العيش.
وأكد أن الإشكال الجوهري لا يكمن في ارتفاع الأسعار وحده، بل في تركيبته. فعلى سبيل المثال، كان الأجير الذي يتقاضى 500 دينار شهريًا في جانفي 2015 بحاجة إلى 1041 دينارًا للحفاظ على قدرته الشرائية وفق التضخم المعيشي، بينما تشير الأرقام الرسمية إلى أجر نظري أقل. هذه الفجوة بين الأجور النظرية والفعلية تفسر التدهور الحاد في القدرة الشرائية، حتى في الفترات التي سجل فيها تراجع نسبي في معدل التضخم.
وأوضح الشكندالي أن أسباب هذا المسار ليست نقدية فقط، بل نتيجة تراكم عدة اختلالات اقتصادية تشمل ارتفاع كلفة الإنتاج، وارتفاع أسعار الواردات، وتراجع قيمة الدينار، وضعف الإنتاج المحلي، ومحدودية سياسات دعم الدخل. كما أن غياب نمو حقيقي يخلق الثروة وفرص العمل، ما حول التضخم إلى “ضريبة غير مباشرة” يدفعها المواطن يوميًا دون مقابل ملموس في الخدمات أو الفرص الاقتصادية.
وأضاف أن هذا الواقع أعاد تشكيل البنية الاجتماعية، إذ بدأت الطبقة الوسطى تفقد قدرتها على القيام بدورها الاجتماعي التقليدي، في حين توسعت دائرة الهشاشة لتشمل شرائح كانت مستقرة سابقًا. وأوضح أن التضخم، بهذا المعنى، أصبح عامل تفكك اجتماعي، لأنه يوزع أعباءه بشكل غير متكافئ، مستهدفًا أساسًا من يعتمد على دخل قار وثابت.
وختم الشكندالي بالقول إن التراجع الظرفي في معدل التضخم لا يكفي لإقناع المواطن بتحسن وضعه، طالما لم تُستعد قدرته الشرائية المفقودة، ولم يُعاد بناء عقد اجتماعي جديد يربط بين العمل والإنتاج والعيش الكريم. واعتبر أن أي تراجع اسمي في التضخم سيبقى بلا أثر ملموس ما لم تُراجع سياسات الدخل بشكل شامل وتُعيد توجيه الدعم نحو الفئات المتضررة فعليًا.
