25 جويلية بلا شارع موحد.. المعارضة تؤجل تحركاتها واستياء من “خذلان المعتقلين”

كان من المنتظر أن تشهد العاصمة التونسية يوم الجمعة 25 جويلية 2025 تحركات احتجاجية موحّدة إحياءً لذكرى إعلان الجمهورية وتنديدًا بـ”مسار 25 جويلية”، غير أنّ آمال الشارع في مشهد موحّد للمعارضة تبدّدت مساء الثلاثاء 22 جويلية، بعد إعلان عدد من الأطراف السياسية والمدنية تأجيل تحركاتها، ما فتح الباب أمام موجة انتقادات لاذعة واتهامات بالتقاعس والتخاذل، لا سيما من عائلات المعتقلين السياسيين.

بلاغات التأجيل: مشكل تنسيق أم عجز عن التوافق؟

في بلاغ نشرته مساء الثلاثاء، أعلنت الشبكة التونسية للحقوق والحريات تأجيل الوقفة التي كانت مقررة في بطحاء محمد علي إلى موعد لم يُحدد، مبررة الخطوة بالرغبة في “تعزيز التنسيق مع مكونات المشهد المدني الديمقراطي والتقدمي”. الشبكة أكدت أنّ قرارها جاء بعد نقاشات موسّعة واطّلاعها على دعوات أخرى للاحتجاج في نفس اليوم والتوقيت، مؤكدة تمسكها بثوابتها الحقوقية وبدورها في الدفاع عن النظام الجمهوري ومبادئ الحرية.

غير أن هذا القرار لم يكن معزولًا، ففي تطور متزامن، أعلنت جبهة الخلاص الوطني هي الأخرى، عن تأجيل المسيرة التي كانت قد دعت إليها بتاريخ 25 جويلية، مشيرة إلى أنّ قرارها جاء إثر إخفاق محاولات التنسيق مع بقية مكونات المشهد السياسي والمدني، بهدف تنظيم تحرك مشترك في هذا التاريخ الرمزي.

وأوضحت الجبهة، في بيان مقتضب نشرته مساء الثلاثاء 22 جويلية، أنها بذلت مجهودات لتقريب وجهات النظر وقدّمت “تنازلات من أجل إنجاح المسعى التوحيدي”، لكن غياب الحد الأدنى من التوافق حال دون تحقيق الهدف، وهو ما دفعها إلى تعليق تحركها، مع التعهّد بالكشف لاحقًا عن رزنامة أنشطتها القادمة.

خطوة التأجيل من طرف جبهة الخلاص أضافت طبقة جديدة من الإرباك على مشهد سياسي مشتّت أصلًا، وسط تساؤلات عن مدى جدّية المعارضة في بناء جبهة موحدة قادرة على التأثير الميداني ومواجهة السلطة القائمة.

اتحاد الشغل: لسنا طرفًا في النزاع!

في خضم هذه التطورات، سارع الاتحاد العام التونسي للشغل إلى إصدار توضيح نفى فيه علمه المسبق بأي دعوات انطلقت من محيطه للاحتجاج، مؤكّدًا تمسّكه بحق التظاهر السلمي، لكنه رفض ما وصفه بـ”استغلال رمزية بطحاء محمد علي لإرباك هياكل المنظمة أو إحراجها”. كما عبّر عن امتعاضه من حملات تستهدفه صادرة عن جهات وصفها بأنها موالية للسلطة أو تسعى للتشويش عليه.

عائلات المعتقلين: تأجيل التحركات خيانة في لحظة حرجة

لكن أقسى رد جاء من تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين، التي وصفت إعلان التأجيل بأنه “خذلان صريح وجبان”، واعتبرت أنّ ربط الدفاع عن الحريات بـ”إيقاع التنسيق” ضربٌ من التواطؤ مع القمع، بحسب تعبيرها.

وقالت التنسيقية في بيان شديد اللهجة: “أنتم من تكتبون البلاغات، لكن أجساد أبنائنا تقبع في الزنازين. لا تبحثوا عن لحظة مناسبة، فالظلم لا ينتظر”. كما دعت إلى مسيرة احتجاجية مستقلة يوم 25 جويلية، تنطلق من نصب ابن خلدون وتصل إلى المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة، للمطالبة بإطلاق سراح جميع المعتقلين على خلفية سياسية.

نشطاء ينتقدون “مشهدًا بائسًا” للمعارضة

قرار التأجيل، رغم التبريرات، لم يمر دون انتقاد، واعتبره عدد من السياسيين والنشطاء انعكاسًا لمأزق عميق داخل المعارضة، وعدم قدرتها على تجاوز خلافاتها في لحظات تتطلب موقفًا موحدًا.

ووسط السجال المحتدم حول تأجيل التحركات، دوّن الناشط السياسي عبد الوهاب الهاني منشورًا ساخرًا استوقف الكثيرين، شبّه فيه الفارق بين العمل الحقوقي الجاد والانخراط في العبث السياسي، بلعب الورق الشعبي. وكتب:

“بين “الشبكة” و”الشكبة” شبه رهيب وفرق طفيف في ترتيب الأحرف، لكنه بون شاسع في المعاني.. الرجاء عدم الخلط بين الشبكة، أي التشبيك على أساس مبادئ مشتركة على قاعدة الحد الأدنى المشترك، و”الشكبة”، وهي لعبة ورق شعبية تُمارس في المقاهي والسهرات لتزجية الوقت والهروب من رتابة الواقع”.

وواصل في نبرة لاذعة: “تلعبها وتتفنن في حيل “التشكيب” بعض قطاعات النخبة، وبالأخص في عالم “لاهوت الحدثوت”.. حفظ الله البلاد من جهلوت “التشكيب” في لعبة “الشكبة” السياسية التونسية.”

التدوينة، وإن جاءت بلمسة فكاهية، فإنها عكست حالة من الغضب الهادئ تجاه مناورات بعض مكونات النخبة، التي لم تنجح – حسب مراقبين – في تحويل معاناة الشارع ومعركة الحريات إلى فعل سياسي مؤثر وموحد.

ومن جانبه، أكد حسام الحامي، من ائتلاف “صمود”، أنه سيكون في الشارع يوم 25 جويلية إلى جانب عائلات المعتقلين، وكتب: “السياسة هي ترتيب أولويات، والأولوية الآن للمظلومين خلف القضبان”.

أما عبد اللطيف الهرماسي، القيادي بالحزب الجمهوري، فقد حاول النأي بحزبه عن بيان الشبكة رغم عضويته فيها، منتقدًا في المقابل الهجوم الجماعي على مكوناتها، ومعتبرًا أن الأحكام التعميمية لا تليق بمن يسعى إلى خطاب عقلاني ومسؤول.

مشهد مشتّت

مرة أخرى، وجدت المعارضة التونسية نفسها أمام اختبار التماسك وفشلت في تجاوزه. فبين دعوات للتأجيل، وأخرى للمقاطعة، وتحركات فردية، تتعمق أزمة الثقة في قدرتها على تمثيل نبض الشارع، في وقت تتزايد فيه الانتهاكات وتتشدد القبضة الأمنية على كل صوت مخالف.

وبينما تتراكم خيبات العائلات ومناصري الحريات، تبدو السلطة في موقع مريح، تراقب الانقسامات وتستفيد من غياب أي جبهة معارضة موحدة… أما المعتقلون، فلا يزالون ينتظرون صوتًا لا يتراجع.

Share This Article