أثار نقل أستاذ القانون الدستوري والسجين السياسي جوهر بن مبارك من سجن “بلي” بولاية نابل إلى سجن “السرس” بولاية الكاف، موجة استنكار واسعة في الأوساط السياسية والحقوقية التونسية، التي اعتبرت الخطوة شكلاً من أشكال “التنكيل” لا يقتصر على السجين نفسه، بل يمتد ليشمل عائلته وذويه.
وأكّدت المحامية دليلة بن مبارك مصدّق، في مقطع فيديو نشرته على حسابها بفيسبوك مساء الثلاثاء، أن والدها عز الدين الحزقي (82 عاماً) أبلغها بعملية نقل شقيقها إلى سجن السرس، الواقع على مسافة تقارب 150 كيلومتراً عن العاصمة تونس. واعتبرت أن هذا القرار، إن كان الهدف منه الإضرار بالسجين، فإنه في الواقع يشكل ضغطاً نفسياً وإنسانياً على العائلة، خاصة على والدها المسن الذي يحرص على زيارته بشكل دوري.
وأشارت مصدّق إلى أن عملية النقل ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن تم إيداع شقيقها في عدة سجون، من بينها المرناقية ثم نابل، قبل نقله مجدداً، معتبرة أن هذه التنقلات المتكررة تعكس، وفق تعبيرها، تصعيداً في التعامل معه وتؤثر بشكل مباشر على الوضع الصحي والنفسي لوالده الذي تجاوز الثمانين من عمره.
وتساءلت في السياق ذاته عن دوافع هذه النقلة، في ظل غياب توضيحات رسمية، معتبرة أن تكرار عمليات النقل يطرح تساؤلات حول مراعاة الأبعاد الإنسانية في قرارات تتعلق بمسار السجناء وظروف احتجازهم.
من جهته، اعتبر المحامي نافع العريبي أن الفصل 36 من الدستور التونسي ينص على حق السجين في معاملة إنسانية تحفظ كرامته، وعلى ضرورة مراعاة مصلحة الأسرة في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية، مؤكداً أن ما حدث لا ينسجم، حسب تقديره، مع هذه المبادئ الدستورية.
وفي الاتجاه ذاته، كتب الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي هشام العجبوني أن النص الدستوري ذاته يؤكد صراحة على المعاملة الإنسانية للسجناء وضرورة أخذ ظروف عائلاتهم بعين الاعتبار، معتبراً أن نقل بن مبارك لا يراعي هذه الاعتبارات.
أما الناشط عز الدين محمدي، فقد عبّر في منشور له عن تأثره بالخبر، معتبراً أن نقل سجين سياسي إلى سجن بعيد لا يقتصر على كونه إجراءً إدارياً، بل يشكل، بحسب تعبيره، عبئاً إضافياً على العائلة، خاصة على والده المسن عز الدين الحزقي، الذي يواجه صعوبات في التنقل ومتابعة زيارة ابنه.
ومن جانبه، اعتبر الوزير السابق محمد الحامدي أن السلطات تتعمد، وفق رأيه، “التنكيل” بالمعتقلين وعائلاتهم من خلال عمليات النقل، مشيراً إلى أن الأمر لا يقتصر على بن مبارك فقط، بل يشمل أيضاً حالات أخرى لسجناء سياسيين تم نقلهم إلى سجون بعيدة.
ويُذكر أن جوهر بن مبارك، وهو معارض سياسي بارز وقيادي في جبهة الخلاص الوطني، موقوف منذ فيفري 2023، وقد صدر بحقه حكم نهائي بالسجن لمدة 20 سنة في قضية “التآمر على أمن الدولة”. كما يخوض إضرابات متكررة عن الطعام احتجاجاً على ظروف احتجازه، في وقت حذّرت فيه عائلته من تدهور وضعه الصحي.
وسبق أن تنقّل بن مبارك بين عدة سجون، من بينها المرناقية ثم بلي في نابل، قبل نقله مجدداً إلى سجن السرس في الكاف، وهو ما يضيف بعداً جديداً للنقاش الدائر في تونس حول ظروف نقل السجناء، وحدود مراعاة المعايير الإنسانية وحقوق العائلة في مثل هذه الإجراءات، في ظل استمرار الجدل السياسي والحقوقي حول القضية.
