أزمة “فسفاط قفصة”: ديون متراكمة وتراجع الإنتاج يفاقمان الضغوط المالية

تشهد شركة فسفاط قفصة أزمة مالية متواصلة انعكست بشكل مباشر على انتظام صرف أجور العمال، حيث سجل تأخر في خلاص رواتب شهر مارس قبل أن يتم لاحقًا تسديدها، في ظل مطالب نقابية متزايدة بإيجاد حلول هيكلية تعالج الوضعية المالية للمؤسسة.

وفي هذا السياق، أوضح الكاتب العام المساعد لجامعة المناجم فوزي العكريمي أن جذور الأزمة تعود إلى جملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الديون المتراكمة لدى حرفاء رئيسيين للشركة، وعلى رأسهم المجمع الكيميائي التونسي والشركة الهندية للأسمدة (Indian Farmers Fertiliser Cooperative Limited)، والتي تتجاوز قيمتها الإجمالية 2000 مليون دينار، وفق تقديره.

ديون متراكمة تضغط على السيولة

وأشار العكريمي إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الديون يعود إلى سنوات سابقة، حيث تُقدّر المستحقات بحوالي 1400 مليون دينار على الشركة الهندية للأسمدة، ونحو 1000 مليون دينار على المجمع الكيميائي التونسي. وقد أدى هذا التراكم إلى التأثير بشكل مباشر على السيولة المالية للشركة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

ودعا في هذا الإطار إلى ضرورة تدخل السلطات المعنية، وخاصة رئاسة الحكومة ووزارة الطاقة والمناجم، من أجل إيجاد آليات عملية لاسترجاع هذه المستحقات أو إعادة جدولتها، بما من شأنه تحسين الوضع المالي للمؤسسة.

كتلة الأجور وضغوط التسيير

ومن جهة أخرى، أشار المتحدث إلى أن ارتفاع كتلة الأجور يمثل عامل ضغط إضافيًا على ميزانية الشركة، حيث تتحمل شهريًا دفع رواتب عمالها وموظفيها، إلى جانب عمال شركة نقل المواد المنجمية وشركات البستنة والبيئة التابعة لها.

وتتراوح كتلة الأجور، وفق التقديرات، بين 20 و25 مليون دينار شهريًا، وهو ما يزيد من حجم الأعباء المالية، خصوصًا في ظل محدودية الموارد الذاتية للشركة.

تراجع الإنتاج وتأثيره على الموارد

ومن بين العوامل التي ساهمت في تعميق الأزمة، تراجع الإنتاج من حوالي 8 ملايين طن سنة 2010 إلى نحو 2 مليون طن منذ سنة 2011، وهو ما انعكس سلبًا على مداخيل الشركة وقدرتها على الاستثمار.

ويرى العكريمي أن هذا التراجع يعود إلى عدة أسباب، من بينها تقادم التجهيزات، وضعف الأسطول، ونقص الموارد البشرية، وهي عوامل حدّت من القدرة على رفع نسق الإنتاج وتحسين الأداء.

دعوات نحو إصلاح هيكلي

في ظل هذه التحديات، طرح الجانب النقابي تصورًا لإصلاح الشركة يقوم على ثلاثة محاور أساسية: تسديد الديون المستحقة، إعادة هيكلة الإدارة، وتجديد المعدات.

كما شدد العكريمي على ضرورة تعيين رئيس مدير عام جديد للمؤسسة، في ظل شغور هذا المنصب منذ سنوات، معتبرًا أن غياب قيادة واضحة ينعكس سلبًا على أداء الشركة وتماسكها الداخلي.

وانتقد في هذا الإطار طريقة تسيير بعض الملفات، معتبرًا أنها تتسم بتوتر في العلاقة بين الإدارة والنقابيين، فضلًا عن ما وصفه بتأثير مركزية القرار على مستوى وزارة الصناعة، وهو ما يحدّ من هامش المبادرة داخل المؤسسة.

نحو استراتيجية جديدة

ودعا الطرف النقابي إلى اعتماد استراتيجية جديدة تقوم على تنويع الأسواق، بما يخفف من الاعتماد على السوق المحلية ويفتح المجال أمام التصدير، خاصة في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الفسفاط، وهو ما من شأنه توفير موارد من العملة الصعبة وتحسين التوازنات المالية للشركة.

وتُعد شركة فسفاط قفصة من أبرز المؤسسات الاقتصادية في تونس، حيث تضطلع بدور محوري في دعم الاقتصاد الوطني، غير أن التحديات المالية والهيكلية التي تواجهها باتت، وفق مراقبين، تفرض مراجعة شاملة لنموذج تسييرها لضمان استدامتها وتعزيز قدرتها التنافسية.

Share This Article