أكدت منظمة منظمة آلرت، تعليقًا على الارتفاع الأخير في أسعار اللحوم الحمراء في تونس، أن ما يحدث لا يُختزل في سردية “المؤامرة”، بل يعكس اختلالات هيكلية عميقة داخل منظومة إنتاج وتوزيع تتغذّى من منطق ريعي مزمن.
وفي بيان لها، شددت المنظمة على أنها ترفض خطاب “القوى الخفية” و”الخونة” الذي يُستعاد مع كل موجة غلاء، موضحة أن هذا الرفض لا يعني إنكار وجود تجاوزات أو مضاربات أو فساد، بل التأكيد على أن جذور الأزمة اقتصادية ومؤسساتية بالأساس.
منظومة غامضة وهوامش متراكمة
واعتبرت المنظمة أن السعر المرتفع للحوم ليس طارئًا أو معزولًا، بل هو نتيجة مسار طويل تبدأ حلقاته من تربية الماشية، مرورًا بأسواق الدواب والذبح والبيع بالجملة، وصولًا إلى التفصيل. وأشارت إلى أن طول السلسلة وغياب الشفافية فيها يسمحان بتراكم الهوامش الربحية واحتكار المعلومة من قبل فاعلين محدودين، ما يكرّس الريع ويُحمّل المستهلك الكلفة النهائية.
وأضافت أن الخلل يبدأ من أسواق الماشية غير المنظمة، حيث تحتكر قلة من الوسطاء المعطيات المتعلقة بالأسعار والكميات والجودة، ما يُضعف موقع المربي ويفتح الباب أمام تعدد الصفقات وتراكم الأرباح كلما زاد الغموض في المسالك.
مسالخ “اللزمات” ومنافسة مشوّهة
وعند مستوى الذبح، اعتبرت المنظمة أن شروط النفاذ إلى نشاط المسالخ، خاصة البلدية منها، تعيق بروز وحدات حديثة وفعالة، بما يعطل الإنتاجية ويقتل المنافسة. كما انتقدت العمل بنظام “اللزمات” دون التزامات استثمارية واضحة أو رقابة صارمة على استخلاص الأداءات، ما يخلق منافسة “مغشوشة”: فالمحترم للقانون يتحمل كلفة أعلى، بينما يحصل المتحايل على أفضلية سعرية.
وفي ما يتعلق بالمعايير الصحية، رأت أن التطبيق الانتقائي لها أفرز سوقًا بسرعتين: قطاع منظم يتحمل الأعباء القانونية، وقطاع موازٍ يتهرب من الكلفة، بما يوسّع دائرة الاقتصاد غير المنظم ويضاعف المخاطر الصحية على المستهلك.
شركة اللحوم ودور الفاعل العمومي
واعتبرت المنظمة أن تهميش الفاعل العمومي المنظم يترك المجال مفتوحًا أمام منطق الريع. ورغم إعلان شركة اللحوم عن أسعار مرجعية في حدود 42.9 دينار للكيلوغرام، فإن تأثيرها، وفق البيان، يظل محدودًا بسبب ضعف قدرتها التوزيعية وبقاء المسالك الكبرى تحت سيطرة شبكات غير شفافة.
انهيار القطيع وضرب منظومة الألبان
وسلطت المنظمة الضوء على عامل هيكلي بالغ الخطورة يتمثل في التراجع الحاد لقطيع الأبقار، إذ انخفض، بحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، من نحو 685 ألف رأس سنة 2016 إلى قرابة 388 ألف رأس سنة 2022. واعتبرت أن هذا الانكماش في العرض يجعل السوق هشّة بطبيعتها، بحيث تتحول أي صدمة مناخية أو صحية أو موسمية إلى موجة تضخم حادة.
كما ربطت الأزمة بتدهور منظومة الألبان، مؤكدة أن بيع الحليب بأسعار لا تغطي كلفة الإنتاج يدفع المربين إلى تقليص القطيع أو التفويت فيه، ما ينعكس مباشرة على إنتاج اللحوم في بلد يرتبط فيه جزء مهم من لحوم الأبقار بقطيع الحليب.
وأشارت أيضًا إلى تأثير الأمراض الحيوانية، خاصة بؤر الحمى القلاعية، معتبرة أن الإشكال لا يكمن في إعلان حملات تلقيح، بل في التغطية الفعلية والصرامة الميدانية، لأن أي تراجع في الإنتاجية يفضي تلقائيًا إلى تقلص العرض وارتفاع الأسعار.
الاستيراد: مسكن ظرفي أم إغراق دائم؟
وفي ما يخص سياسة التعديل عبر الاستيراد، حذرت المنظمة من تحوّل هذا الخيار إلى آلية دائمة تُضعف المنتج المحلي. فاستيراد لحوم بأسعار منخفضة نسبيًا قد يهدئ السوق مؤقتًا، لكنه، إذا تم دون خطة لإنقاذ المنبع المحلي، يخلق حالة “إغراق” لا يستطيع معها المربي التونسي المنافسة، خاصة في ظل دعم أو ظروف أفضل في بلدان المنشأ.
وترى المنظمة أن هذه المقاربة تؤدي إلى بيع المربين بخسارة، وتقلص القطيع، وأحيانًا تهريب المواشي، بما يجعل البلاد أمام معادلة خطرة: شراء هدوء اجتماعي ظرفي مقابل تعميق التبعية الغذائية.
تضخم الغذاء وتآكل المقدرة الشرائية
ولفتت إلى أن بيانات جانفي 2026 تشير إلى تضخم عام في حدود 4.8%، مقابل 5.9% لمجموعة التغذية والمشروبات، ما يعني أن كلفة الغذاء تواصل الضغط على ميزانيات الأسر. واعتبرت أن اختزال الأزمة في سعر معروض لدى الجزار يُغفل الإشكال الأعمق المتعلق بتآكل الدخل الحقيقي.
سعيّد: فساد ومؤامرة
في المقابل، كان الرئيس التونسي قيس سعيّد قد تحدث، خلال زيارة إلى مقر شركة اللحوم بالوردية في 24 فيفري/شباط 2026، عن “إخلالات وتجاوزات” و”صفقات مشبوهة”، معتبرًا أن ما حصل يدخل في إطار “فساد ومؤامرة كبرى”، ومشيرًا إلى ضغوط مورست من أجل استيراد اللحوم، وإلى مسألة ذبح إناث الأبقار بهدف القضاء على القطيع.
دعوات للمقاطعة
من جهتها، دعت المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك إلى مقاطعة اللحوم الحمراء والموز بعد تسجيل زيادات وصفتها بغير المسبوقة. واعتبر رئيسها أن جانبًا من الغلاء يعود إلى سلوك “لوبيات” تحافظ على نسق أرباح مرتفع وتتحكم في هيكلة الأسعار، رغم تدخلات رسمية وأعمال رقابية.
بين خطاب المؤامرة وإصلاح المنظومة
في خلاصة موقفها، شددت منظمة آلرت على أن حماية المستهلك لا تتحقق عبر الخطابات التخوينية، بل عبر إصلاحات بنيوية: كسر الريع، فرض الشفافية في أسواق المنبع، حماية الصحة الحيوانية، دعم المربين، وإعادة الاعتبار للإنتاج المحلي.
وترى أن استمرار المنظومة الحالية يعني أن الجميع سيدفع الثمن: المنتج الذي يبيع بخسارة، والمستهلك الذي يشتري بسعر مرتفع، والدولة التي تجد نفسها بين ضغط اجتماعي وتبعية غذائية متنامية. الخيار، وفق البيان، واضح: إما إصلاح عميق، أو تكريس دائم لمنطق الريع.
