منظمة تحذّر: اكتظاظ غير مسبوق في السجون واستخدام مفرط ومتعسّف للإيقاف التحفظي

أصدر مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، مؤخرًا، ورقة سياسية جديدة حول “إصلاح المنظومة الجزائية في تونس بما يضمن حماية الحقوق والحريات”، أكد فيها تسجيل تراجع فعلي في ضمانات المحاكمة العادلة، إلى جانب الاستخدام المفرط والمتعسّف للإيقاف التحفظي، مع تقديم جملة واسعة من التوصيات إلى البرلمان والحكومة والسلطة القضائية.

وبيّن المركز، في ورقته السياسية الصادرة مطلع ديسمبر 2025، والتي عُرضت في ندوة أواخر نوفمبر أنّ المؤشرات الإحصائية تكشف عمق الأزمة التي تعيشها المنظومة الجزائية. إذ بلغ عدد السجناء نحو 33 ألف سجين، أي ما يفوق 260 سجينًا لكل 100 ألف نسمة، وهو مستوى اعتبره المركز “قياسيًا” وغير مسبوق منذ عقود.

وتصل نسب الاكتظاظ، وفق الورقة، إلى 300% في بعض الغرف السجنية، فيما تبلغ كلفة السجين الواحد يوميًا نحو 50 دينارًا. ويرى المركز أن هذا الوضع يعكس تراكمات هيكلية في القطاع، ورغم محاولات الإصلاح منذ 2011، فإنّ هذه الجهود اصطدمت – خاصة بعد 2019 و25 يوليو 2021 – بـسياق سياسي ومؤسساتي عطّل ديناميكية الإصلاح، وأضعف الرقابة على أجهزة إنفاذ القانون، في ظل تراجع استقلالية القضاء وبطء الإجراءات.

وأبرزت الورقة السياسية جملة من النقائص التي وصفتها بـ”الإخلالات العميقة”، ومن أهمها:

  • بطء شديد في الإجراءات القضائية يؤدي إلى إطالة آجال التقاضي بشكل يتجاوز المعايير القانونية.

  • غياب رقابة قضائية فعّالة منذ الساعات الأولى للحرمان من الحرية، خاصة في نقاط المراقبة الإدارية والمعابر الحدودية.

  • عدم احترام إلزامية حضور المحامي في الجنايات وقضايا الأطفال الجانحين، ما يهدد حق الدفاع ويجعل الاعترافات تحت الضغط أكثر احتمالًا.

وأشار المركز إلى أن الإيقاف التحفظي يمثل أكثر من 40% من مجموع نزلاء السجون، معتبرًا إياه سببًا رئيسيًا للاكتظاظ وما يترتب عليه من تدهور ظروف الاحتجاز. كما يؤثر الإيقاف على الروابط الأسرية والوظيفية للموقوفين، ويكرس ارتفاع نسب العود، ويُضعف عمليًا مبدأ قرينة البراءة.

ورغم توفر الإطار القانوني للعقوبات البديلة—مثل العمل للمصلحة العامة والمراقبة الإلكترونية—فإنّ تطبيقها ما يزال محدودًا بسبب:

  • غياب تنظيم تفصيلي،

  • ضعف الموارد البشرية،

  • واستمرار ثقافة قضائية تقليدية تُفضّل العقوبة السالبة للحرية.

وتسجل الورقة حالات استجواب لأطفال دون حضور محام أو مختص اجتماعي، إضافة إلى احتجازهم في أماكن غير مهيأة، بما يتناقض مع مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.

وأشار المركز إلى قصور في التنسيق والمراقبة بين النيابة العمومية وقضاة التحقيق والضابطة العدلية، ما يفتح المجال أمام التجاوزات، في ظل آليات تظلّم غير فعّالة.

وشددت الورقة على ضرورة تنظيم مرحلة الاستيقاف التي تبقى غير مؤطرة قانونيًا في تونس، بما يجعلها مجالًا مفتوحًا للتجاوزات. ودعت إلى وضع إطار قانوني مستقل يضمن حقوق الأفراد منذ اللحظة الأولى لتقييد الحرية.

كما اقترحت:

  • تقييد سلطة النيابة العمومية في الاحتفاظ،

  • جعل بطاقات الإيداع قابلة للاستئناف خلال 24 ساعة،

  • مراجعة نظام قاضي التحقيق الفردي واستبداله بغرف تحقيق جماعية أو قضاء الحريات.

Share This Article