أحزاب ومنظمات تحذّر: منزلق خطير يهدد المشهد السياسي والحقوقي في تونس

يشهد المشهد السياسي والحقوقي في تونس توترًا غير مسبوق عقب سلسلة من الإيقافات شملت شخصيات سياسية وحقوقية بارزة، ما أثار موجة استنكار واسعة في صفوف الأحزاب والمنظمات والجمعيات المدنية. وتفاقمت حدة الجدل بعد تنفيذ حكم استئنافي بالسجن لمدة 5 سنوات في حق المحامي والناشط الحقوقي العياشي الهمامي مساء الثلاثاء، في ما يُعرف بقضية “التآمر 1″، وذلك بعد أيام قليلة من إيقاف الناشطة السياسية شيماء عيسى تنفيذًا لحكم يقضي بسجنها 20 سنة. كما تواصل الوحدات الأمنية تطويق منزل رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي الذي صدر ضده حكم بالسجن 12 سنة في الملف نفسه.

التيار الديمقراطي: أحكام سياسية ومحاكمات تفتقر لشروط العدالة

اعتبر حزب التيار الديمقراطي أن هذه الإيقافات تمثل “خطوة إضافية لإسكات الأصوات الحرة وإخماد المعارضة”. وفي بيان له، أكد الحزب أن النظام “يتذرّع بتطبيق أحكام قضائية جائرة، بينما يتجاهل أحكامًا قضائية أخرى صادرة عن المحكمة الإدارية بخصوص عودة القضاة المعزولين”.

وأشار الحزب إلى أن “الأحكام الاستئنافية الصادرة في قضية التآمر تُعيد إلى الأذهان ممارسات محكمة أمن الدولة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي”، معتبرًا أنها “تفتقر لأدنى شروط المحاكمة العادلة وتمثل حلقة جديدة في مسار ضرب استقلال القضاء”.

ودعا التيار الديمقراطي مختلف القوى المدنية والسياسية إلى “الالتقاء حول مطلب إيقاف النزيف والحد من سياسة التضييق والتنكيل، والعمل المشترك لإنقاذ البلاد عبر وسائل سلمية ومدنية”.

حزب التكتل: مستقبل تونس لا يُبنى بالمحاكمات السياسية

بدوره، اعتبر حزب التكتل الديمقراطي أن تونس “تعيش لحظة سياسية خطيرة” بإيقاف العياشي الهمامي ومحاصرة منزل نجيب الشابي، مشددًا على أن “هذه التتبعات لا تقنع أحدًا” لأنها تستهدف – بحسب البيان – شخصيات معروفة بنضالها السلمي.

وأكد الحزب أن “الخلافات السياسية لا تُحل إلا عبر الحوار”، وأن مستقبل البلاد “لا يمكن أن يبنى بالسجون ولا بالمحاكمات السياسية”. ودعا إلى حوار وطني شامل يعيد الثقة للمواطنين ويعيد البلاد إلى مسار ديمقراطي يحترم الحقوق والحريات.

الحزب الجمهوري: استهداف رموز النضال الوطني منزلق خطير

من جانبه، وصف الحزب الجمهوري التطورات الأخيرة بأنها “منزلق خطير يهدد المشهد السياسي والحقوقي”، معتبرًا أن استهداف شخصيات على غرار العياشي الهمامي ونجيب الشابي “يستهدف رمزية تاريخ من النضال المدني والحقوقي الذي ساهم في بناء ثقافة الديمقراطية”.

وأشار الحزب إلى “التواجد الأمني المكثف أمام منزل الشابي” معتبرًا أن إيقافه “قد يحدث في أي لحظة”. كما أدان ما اعتبره “اختطافًا” للناشطة شيماء عيسى أثناء مشاركتها في مسيرة نسوية نهاية الأسبوع.

محامون بلا حدود: رسالة تخويف لكل من يرفض الأمر الواقع

منظمة محامون بلا حدود عبّرت عن “قلق بالغ” إزاء إيقاف العياشي الهمامي، معتبرة أن العملية “جزء من سياق عام يستهدف المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان”.

وأكدت المنظمة أن الهمامي، المعروف بتاريخه في مناهضة الاستبداد منذ عهد بورقيبة مرورًا ببن علي وصولًا إلى المرحلة الحالية، “يتعرض اليوم لمحاولة إسكات واضحة”. وطالبت بالإفراج الفوري عنه وعن جميع الموقوفين بسبب آرائهم أو نشاطهم الحقوقي والمدني.

منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: استهداف منهجي وتضييق متصاعد

وقال منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إن إيقاف الهمامي “يأتي في سياق تضييق متصاعد على الأصوات الحقوقية والمدنية”. وأشار إلى أن الهمامي “مثّل نموذجًا في الدفاع عن دولة القانون ومواجهة كل أشكال القمع”.

وكشف المنتدى أن الهمامي أعلن دخوله في إضراب جوع منذ لحظة إيقافه، مؤكدًا مساندته وداعيًا إلى “وحدة الصف في مواجهة ما يهدد الحريات والديمقراطية”.

رابطة حقوق الإنسان بقفصة: مسّ من رموز النضال وتشويه متعمّد للتاريخ الديمقراطي

فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بقفصة أكد دعمه للعياشي الهمامي ورفضه للحكم الصادر ضده وضد بقية المعارضين، معتبرًا أن استهداف رموز النضال التاريخي “يمثل خطرًا على المكتسبات الديمقراطية”. كما حذّر من “تصاعد المحاكمات السياسية ومحاكمات الرأي” وتوظيف القضاء “لضرب الحقوق والحريات”.

خلفية القضية وردود الفعل الدولية

الأحكام الاستئنافية المتعلقة بملف “التآمر 1″، والتي تراوحت بين 5 و45 سنة سجنًا، أثارت انتقادات واسعة داخل تونس وخارجها. ووصفت منظمات دولية هذه الأحكام بأنها “قاسية وجائرة”، داعية إلى مراجعتها وإعادة فتح الملف الذي يضم نحو 37 متهمًا بينهم شخصيات سياسية بارزة.

مشهد سياسي مأزوم ومطالب بتعديل المسار

تتفق معظم الأحزاب والمنظمات، على اختلاف توجهاتها، على أن الإيقافات الأخيرة تمثل “تصعيدًا خطيرًا” يزيد من حدة الاحتقان السياسي ويهدد بانغلاق أكبر للفضاء العام. ويرى مراقبون أن البلاد تقف اليوم أمام مفترق طرق يتطلب حوارًا سياسيًا واسعًا يعيد الثقة للمواطنين ويضع حدًا لمسار التوتر المتصاعد في المشهد التونسي.

Share This Article