الصحفي محمد كريشان: مظاهرة “ضد الظلم” جمعت ما لم يستطع أن يجمعه أنصار سعيّد ولو لمرة واحدة

في مقال نشره الصحفي والإعلامي محمد كريشان، أبرز غضب الرئيس قيس سعيّد من مظاهرة خرجت تحت شعار «ضد الظلم» في شوارع العاصمة، معتبرًا المشاركين فيها «خونة» و«أعداء البلاد»، وموجّهًا خطابًا شديد اللهجة تجاه كل من وصفهم بأنهم «ارتهنوا البلاد وأرادوا تفجيرها وتقسيمها والتفويت في مقدراتها».

وأشار كريشان إلى أن هذه المظاهرة اتسمت بعدة خصائص رئيسية جعلتها استثنائية في المشهد السياسي التونسي. أولاً، كان عمودها الفقري من الشباب المتحمّس للعدالة واستقلال القضاء وحرية التعبير، مطالبين بدولة قانون تحمي الحريات وتفتح الآفاق أمام أجيال جديدة شعرت بالإحباط نتيجة الفشل المتكرر للأنظمة السياسية السابقة. ثانيًا، شاركت فيها وجوه سياسية من تيارات مختلفة، بعضها كان متناحرًا منذ سنوات ما بعد ثورة 2011، إلا أن هذه المرة اجتمعوا على رفض استمرار استبداد الرئيس قيس سعيّد واحتكاره للسلطات بعد انقلاب يوليو/تموز 2021 وكتابة دستور جديد بمفرده، في سابقة غير مسبوقة على مستوى العالم. ثالثًا، ركّزت الشعارات على الرئيس شخصيًا باعتباره المسؤول الأول عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد، وغياب أي إنجاز يذكر خلال سنوات حكمه.

ولفت الصحفي إلى أن أكثر ما أثار حنق الرئيس هو التقاء خصوم الأمس – الإسلاميون واليساريون والقوميون والليبراليون – على أرضية مشتركة تتمثل في رفض استمرار العبث الحالي، ما يهدد أحد أهم مكاسبه السياسية وهو تشتت المعارضة وبقاء تناقضاتها السابقة حيّة. وأضاف كريشان أن دخول القوى الشبابية على خط المعارضة أعطى لهذه المظاهرة قوة إضافية، حيث تحرك الشباب بطموح جارف للحريات والديمقراطية ودولة القانون، بعيدًا عن الانقسامات الأيديولوجية القديمة، مما يفتح آفاقًا جديدة أمام جيل لم تترك له السياسات المتعاقبة سوى خيارات محدودة أبرزها الهجرة.

وأشار المقال أيضًا إلى أن المظاهرة، التي شارك فيها نحو خمسة آلاف متظاهر رغم الأمطار، لم يسبق أن شهدت العاصمة تجمعًا مماثلًا يجمع هذه الأعداد من الشباب والوجوه السياسية المتنوعة، في حين لم تستطع أجهزة الرئيس أو أنصاره جمع هؤلاء حتى بمجهودات كبيرة، حيث اقتصر حضورهم على بضع عشرات من الأفراد وشعارات بلا وزن سياسي يذكر.

وأكد كريشان أن رد فعل الرئيس الغاضب والمتشنج يعكس قلقه من أن المعارضة، لأول مرة منذ سنوات، تتحد حول قضايا جوهرية، في وقت تنهار فيه جميع مقوّمات الدولة من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل استمرار سلطته في حكم البلاد أمرًا غير مضمون. وخلص المقال إلى أن المظاهرة تعكس حراكًا شبابيًا وسياسيًا جديدًا قادرًا على تحدي سلطة الرئيس وإعادة المطالبة بالديمقراطية واستعادة الحقوق التي صادرتها الانقلابات الأخيرة، مؤكدًا أن هذا التحرك قد يكون مقدمة لموجة أكبر من الاحتجاجات التي ستعكس رفض الشعب التونسي للعبث بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

Share This Article