في أكتوبر 2023، سافرت الطالبة التونسية سارة المحسني إلى روسيا لدراسة الطب. وبعد عام قضته في دراسة اللغة الروسية، التحقت بالسنة الأولى في 2024، وقررت مثل غيرها من الطلاب المغتربين البحث عن عمل لتغطية مصروفاتها والاندماج في المجتمع الجديد. لكن قرارها أبقى أثرًا مأساويًا على حياتها وحياة عائلتها، إذ أدى إلى مأزق قضائي معقد، تخوضه العائلة بقناعة لإثبات براءتها.
من حلم الطب إلى زنزانة السجن
بدأت الطالبة البحث عن عمل عبر تطبيق تليغرام، لتجد فرصة ضمن مؤسسة مالية تعمل في التحويلات المالية الموازية للبنوك، وهو نشاط انتشر في روسيا نتيجة العقوبات المالية المفروضة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.
وتروي شيراز الإدريسي، والدة الفتاة، أن عمل ابنتها اقتصر على تحصيل الأموال نقدًا نيابة عن الشركة، وكانت تعتقد أن عملها قانوني بعد أن قدمت لها الشركة وثائق تؤكد ذلك. وواصلت الدراسة والعمل في الوقت ذاته، حتى تم استدعاؤها للتحقيق بتهمة التحيّل، رغم أنها بدأت كـ”شاهدة وضحية”، وانتهى الأمر بها محتجزة في السجن لأشهر.
أشهر من العذاب النفسي والتحقيق
وفق رواية الأم، تواجه سارة ضغوطًا نفسية كبيرة لإجبارها على الاعتراف بجريمة لم ترتكبها. وأكدت أن كل الأدلة، بما في ذلك إفادات الضحايا ووثائق الشركة، تؤكد براءتها، إلا أن السلطات الروسية أطلقت سراح شخص آخر كان يتعامل مع الأموال، بينما ظلت الطالبة محتجزة كـ”كبش فداء لعصابات متحيلة”.
وأشارت الأم إلى أن ابنتها تتعرض للتنكيل داخل السجن، ورفضت أخذ الدواء، بينما أرسل لها سجناء آخرون لإرهابها وإجبارها على الاعتراف بما لم تفعله. كما أكدت الأم أنها أنفقت أموالًا طائلة على المحامين دون جدوى، وتعرضت لضغوط مالية من قبل المترجم الجزائري المعتمد لدى السلطات الروسية، الذي طالب برشوة تزيد على 35 مليون دينار تونسي مقابل المساعدة في إطلاق سراح ابنتها.
تقاعس دبلوماسي وتأجيل المحاكمات
توجه العائلة انتقادات حادة إلى وزارة الخارجية التونسية والسفارة في موسكو، متهمين إياهم بالتقاعس وعدم اتخاذ أي إجراءات جادة. وأوضحت الأم أن القائم بالأعمال التونسي عرقل جهود القنصل ورفض التوقيع على مراسلات مهمة، مما أثار شكوكًا حول تورطه في القضية.
كما تعاني جلسات المحكمة من تأجيل مستمر، ما يثير مخاوف العائلة من صدور حكم بالإدانة بتهمة “التحيل من أجل الثراء غير المشروع”، بينما تناشد الوالدة السلطات التونسية التدخل الدبلوماسي العاجل لإنقاذ مستقبل ابنتها، التي حلمت منذ صغرها بأن تصبح طبيبة.
وقالت شيراز الإدريسي: “إنقاذ مستقبل ابنتي من براثن هذه المحاكمة هو مسؤولية الدولة الآن، والقضية وصلت إلى مرحلة حاسمة تتطلب سباقًا مع الزمن قبل صدور الحكم.”
