تعيش الساحة السياسية والحقوقية في تونس على وقع قلق متزايد بعد تدهور الحالة الصحية للمعتقل السياسي جوهر بن مبارك، إثر دخوله منذ منتصف ليلة الثلاثاء 28 أكتوبر2025 في إضراب مفتوح عن الطعام داخل سجن بلي، احتجاجًا على ما وصفه بـ”المحاكمة المستحيلة في ظل غياب أبسط مقومات العدالة”.
وأثار هذا التطور سلسلة من ردود الفعل الواسعة من قبل أحزاب ومنظمات وشخصيات حقوقية، طالبت بإنقاذ حياته ووقف ما اعتبرته “عبثًا سياسيًا وقضائيًا متواصلاً” بحق المعارضين في البلاد.
الحزب الجمهوري يحذر من “العبث المتزايد” ويدعو للإفراج الفوري
في بيان صدر مساء الثلاثاء 4 نوفمبر 2025، عبّر الحزب الجمهوري عن “بالغ انشغاله بتدهور الحالة الصحية للمعتقل السياسي جوهر بن مبارك”، مؤكّدًا أن ما يتعرّض له المعتقلون في ما يُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة” يشكّل “مظلمة متواصلة عنوانها الاحتجاز التعسّفي وتوظيف القضاء لتصفية الخصوم السياسيين”.
وطالب الحزب بـ”الوقف الفوري لحالة التنكيل بالمعتقلين السياسيين وإطلاق سراحهم دون قيد أو شرط”، محمّلًا السلطة التنفيذية المسؤولية الكاملة عمّا آلت إليه الأوضاع الحقوقية والسياسية.
كما نبّه إلى “حالة العبث المتزايدة في إدارة شؤون الدولة، وتغوّل السلطة الفردية على القضاء والإعلام”، داعيًا القوى الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني إلى توحيد الجهود “دفاعًا عن الحق في الحياة والحرية والعدالة”.
سمير ديلو: “جوهر بن مبارك على مشارف الموت”
من جهته، نشر المحامي سمير ديلو، عضو هيئة الدفاع عن السياسيين الموقوفين، تدوينة أكد فيها أنّ “جوهر بن مبارك على مشارف الموت”، مشيرًا إلى أنه غادر السجن بعد محاولات “يائسة” لإقناعه بتناول الحد الأدنى من الغذاء لحماية جسده من الانهيار.
وأضاف ديلو: “فشلت فشلًا ذريعًا أمام إصرار بارد وهادئ لم أعهده منه منذ عرفته”، قبل أن ينقل عنه قوله: «لن أسمح لهم بقتلي صبرًا.. سأجبرهم على دفع ثمن قتلي بعد أيام لا بعد سنوات».
وتساءل ديلو في تدوينته عن “الجهة التي تتخذ القرار بترك معتقل مظلوم يواجه الموت المحتوم جوعًا وعطشًا”، منتقدًا تجاهل السلطات “غير المسبوق” لإضراب السجناء السياسيين.
منتدى الحقوق والحريات: استمرار السجن “تراجع خطير عن مكتسبات الثورة”
من جانبه، أصدر منتدى الحقوق والحريات بيانًا اعتبر فيه أن “الاعتقال بسبب الرأي أو الموقف السياسي انتهاك جسيم للدستور وللمواثيق الدولية التي صادقت عليها تونس”، معتبرًا أن استمرار سجن بن مبارك “يشكّل تراجعًا خطيرًا عن مكتسبات الثورة ومسار الانتقال الديمقراطي”.
وحمل المنتدى السلطات التونسية “المسؤولية الكاملة عن سلامة المعتقلين السياسيين الجسدية والنفسية”، داعيًا إلى “تمكينهم من حقوقهم القانونية والإنسانية، بما في ذلك الرعاية الصحية، ومحاكمتهم حضوريًا لا عن بعد”.
جبهة الخلاص: “إضراب مشروع ضد المحاكمة عن بُعد”
وكانت جبهة الخلاص الوطني قد أعلنت يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025 أن جوهر بن مبارك والقيادي سيد الفرجاني دخلا في إضراب جوع مفتوح احتجاجًا على محاكمتهما عن بعد في قضية “التآمر على أمن الدولة”، مطالبة بعقد جلسة علنية يحضرها الإعلام والمحامون والمراقبون.
ودعت الجبهة جميع القوى الديمقراطية إلى “التضامن مع المضربين عن الطعام” والحضور بكثافة أمام محكمة الاستئناف بالعاصمة يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، موعد الجلسة القادمة.
قضية “التآمر 1” والأحكام المثيرة للجدل
وتندرج هذه التحركات في إطار قضية “التآمر على أمن الدولة 1″، التي تضم نحو 40 متهمًا من بينهم قياديون سياسيون معارضون. وقد صدرت ضدهم أحكام ابتدائية قاسية تراوحت بين 4 و66 سنة سجنًا، واعتبرتها هيئة الدفاع “أحكامًا سياسية وجائرة”.
وكانت الدائرة الجنائية المتخصصة في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف قد قررت تأجيل النظر في القضية إلى 17 نوفمبر، وسط دعوات لجلسة علنية تحترم معايير المحاكمة العادلة.
“إضراب من أجل الكرامة والحرية”
بحسب هيئة الدفاع، فإن جوهر بن مبارك قرر خوض “إضراب جوع وحشي يشمل حتى الدواء”، رغم معاناته من ارتفاع ضغط الدم وبوادر مرض السكري التي ظهرت أثناء سجنه مؤخرًا.
ويرى مقربون منه أن إضرابه يمثل “صرخة أخيرة ضد الظلم والاستبداد، واحتجاجًا على واقع سياسي خانق بات يهدد الحريات في تونس”.
