أصدرت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات، يوم الثلاثاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريرًا جديدًا بعنوان “خلف الأسوار: تقرير حول التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي في قلب المنظومة السجنية التونسية”، يوثّق الانتهاكات التي يتعرض لها الأشخاص المحرومون من حريتهم داخل مراكز الاحتجاز والسجون في تونس، خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2025.
ستة أنماط رئيسة للانتهاكات
رصد التقرير مجموعة من الانتهاكات التي طالت مواطنين ونشطاء وسياسيين، وسلّط الضوء على 24 حالة نموذجية، تلخّصت في ستة أنماط رئيسية، هي:
الحرمان من الحق في الدفاع،
التعذيب وسوء المعاملة،
ظروف احتجاز غير إنسانية واكتظاظ شديد،
الحرمان من الرعاية الصحية،
العزل التأديبي غير المشروع،
وفيات مشبوهة دون تحقيق فعّال.
وأكدت الجمعية أنّ تكرار هذه الأنماط على امتداد عشر سنوات يكشف عن قصور بنيوي عميق في المنظومة السجنية والأمنية، داعيةً إلى إصلاحات عاجلة تشمل تحديث القوانين، وتفعيل دور الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، وإنشاء آليات مساءلة مستقلة وعلنية تحدّ من الإفلات من العقاب.
ظروف احتجاز تمسّ الكرامة الإنسانية
وأشار التقرير إلى أنّ الأشخاص المحرومين من حريتهم يعيشون في ظروف قاسية، تتسم بالاكتظاظ وتدهور البنية التحتية، مع انتهاكات متكررة للحرمة الجسدية والمعنوية، في ظلّ غياب الضمانات الأساسية منذ لحظة الإيقاف وحتى انتهاء فترة السجن.
وقالت الجمعية إنّ ما تمّ رصده من “انتهاكات ممنهجة ومتكررة” يعكس فشلًا واضحًا في احترام التشريعات الوطنية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، مؤكدة أنّ بعض الممارسات بلغت حدّ المساس بالحق في الحياة.
مسؤولية الدولة ومظاهر الإفلات من العقاب
واعتبرت “تقاطع” أن هذه الانتهاكات ليست حوادث معزولة، بل تعبّر عن ظاهرة متجذّرة تتطلب مراجعة شاملة للسياسات الأمنية والسجنية. وأضافت أن معظم الحالات الموثقة لم تشهد أي نتائج ملموسة لتحقيق العدالة أو ردّ الاعتبار للضحايا، ما يعكس صعوبات واضحة في إنفاذ العدالة وتنصّلًا من المسؤولية من قبل مؤسسات الدولة، خصوصًا في حالات الوفيات المشبوهة.
توصيات التقرير
اختُتم التقرير بمجموعة من التوصيات العملية الموجّهة إلى السلطات التنفيذية والقضائية، وإلى المجتمع المدني، لضمان حماية حقوق الأشخاص المحرومين من الحرية.
أولًا: للسلطة التنفيذية
إعداد استراتيجية وطنية شاملة لتعزيز احترام الحقوق والحريات داخل السجون ومراكز الاحتجاز، بالتعاون مع المنظمات المدنية.
تحسين التكوين الأمني عبر دورات تدريبية متواصلة تركّز على احترام حقوق الإنسان.
ضمان الشفافية من خلال تزويد المراكز بكاميرات مراقبة لتوثيق الانتهاكات المحتملة.
تحسين ظروف الاحتجاز من حيث النظافة والرعاية الصحية والطاقة الاستيعابية.
تفعيل العقوبات البديلة لتخفيف الاكتظاظ والالتزام بالمعايير الدولية.
ثانيًا: للسلطة القضائية
تكثيف المراقبة القضائية لأماكن الاحتجاز، وزيادة زيارات وكلاء الجمهورية.
تعزيز استقلالية القضاء وتمكين القضاة من محاسبة المتورطين دون ضغوط.
تسريع البتّ في القضايا المتعلقة بالوفيات المشبوهة والانتهاكات الأمنية.
تطبيق العقوبات البديلة، ومنها السوار الإلكتروني.
ثالثًا: للمجتمع المدني
إرساء جبهة موحّدة للدفاع عن الحقوق والحريات وتوعية المواطنين وقوات الأمن بها.
مواصلة الرصد والتوثيق المستقل للانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.
وأوضحت الجمعية أنّ التقرير استند إلى مقابلات ميدانية مع الضحايا وعائلاتهم ومحاميهم، إلى جانب خبراء ومنظمات وطنية ودولية، كما اعتمد على بنك معطيات الرصد والتوثيق التابع لها.
ويهدف التقرير إلى تقييم مدى توافق المنظومة القانونية التونسية الخاصة بمراكز الإيقاف والسجون مع التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان، وتسليط الضوء على الواقع العملي لانتهاكات الكرامة والحرية داخل هذه المؤسسات.
