بعد أكثر من خمسة عقود على تشغيل المجمع الكيميائي في قابس، تكشف الأرقام الرسمية والعلمية حجم الكارثة البيئية التي ضربت واحدًا من أغنى الخلجان المتوسطية تنوعًا وموارد. فخليج قابس، الذي كان يومًا ما يُعرف بـ”جنة الصيادين”، يشهد تدهورا بيئيا متسارعا، أفقده أكثر من نصف ثروته السمكية ومعظم تنوعه البيولوجي.
تشير بيانات من أرشيف الإنتاج البحري الوطني وسجلات التنوع البيولوجي في خليج قابس إلى تراجع واسع في الثروة السمكية بين سنتي 1971 و2024، إذ انخفض الإنتاج من 40 ألف طن سنة 1971 – أي ما يعادل 40% من الإنتاج الوطني حينها – إلى 26 ألف طن فقط سنة 2024، وهو ما يمثل 19% فقط من الإنتاج الوطني، بانخفاض يفوق 35% خلال 53 عامًا.
لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. فالتقارير العلمية المتاحة حول التنوع البيولوجي في الخليج تُظهر صورة أكثر قتامة. فقد تراجع عدد الأنواع المسجّلة من 270 نوعًا في بداية السبعينيات إلى 70 نوعًا فقط سنة 2024، أي فقدان أكثر من 200 نوع بحري في نصف قرن، وهو تدهور غير مسبوق في تاريخ السواحل التونسية.
ويرى باحثون أن هذا الانهيار البيئي مرتبط مباشرة بالآثار التراكمية للتلوث الصناعي الناتج عن المجمع الكيميائي في قابس، الذي يُلقي منذ تأسيسه كميات ضخمة من الفوسفوجيبس والنفايات السامة في البحر، ما أدى إلى إغراق مساحات شاسعة من قاع الخليج بطبقات كثيفة من الرواسب الملوثة. هذه المواد، الغنية بالفوسفور والكبريت والمعادن الثقيلة، أحدثت اضطرابات عميقة في السلسلة الغذائية البحرية وأدت إلى اختناق البيئة الساحلية.
ورغم التحذيرات المتكررة من منظمات بيئية وطنية ودولية، فإن الحلول الرسمية ما تزال محدودة وبطيئة. فمشروع نقل الوحدات الملوِّثة إلى المنطقة الصناعية بالمتلوي ظلّ معلقًا لسنوات.
وفي المقابل، تتزايد الأصوات المطالبة بتدخل عاجل لإنقاذ ما تبقّى من الخليج، عبر وضع خطة وطنية شاملة لإزالة التلوث واستعادة التوازن البيئي، تتضمن وقف تصريف النفايات الصناعية في البحر، ومراقبة الأنشطة الصناعية الصغرى، وتشجيع البحث العلمي في مجال ترميم النظم البيئية البحرية.
ويحذّر الخبراء من أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يجعل استرجاع الحياة البحرية في خليج قابس أمرًا شبه مستحيل في العقود القادمة، إذ تحتاج البيئة البحرية إلى عشرات السنين لتتعافى حتى بعد وقف مصادر التلوث.
وخرج الأهالي في الأسابيع الأخيرة في احتجاجات واسعة ضد التلوث البيئي الذي يهدد حياتهم وسط دعوات متكررة لإغلاق المجمع الكيميائي ونقل أنشطته الملوِّثة بعيدًا عن المناطق السكنية.
لكن هذه التحركات ووجهت بـ رد أمني قاسٍ، وصفته منظمات حقوقية بأنه غير مسبوق في الجهة. فقد استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق المحتجين، ما أسفر عن إصابات عديدة في صفوف الشباب والمتظاهرين، من بينهم الفنان الشاب معز بن بركة الذي تعرض للدهس بسيارة أمنية خلال المواجهات واعتقال وإيقاف المئات.
