من يحرق جبل بلوطة؟ حرائق تتكرر كل صائفة.. والفاعل دائمًا “مجهول”

تتكرر الحرائق في غابة جبل بلوطة بولاية سليانة كل صيف منذ سنة 2016، بنفس السيناريو تقريبًا: نار تندلع، تحقيق يُفتح “ضد مجهول”، ثم يُطوى الملف دون نتيجة. لكن ما يبدو للكثيرين كارثة طبيعية موسمية، يراه آخرون حلقة في مخطط أوسع لتغيير صبغة الأراضي الغابية والاستحواذ عليها.

الباحث في المناخ حمدي حشاد نشر مؤخرًا تدوينة لافتة وصف فيها قصة الغابة بـ”الدراما الحزينة التي تتكرر كل صيف”، مشيرًا إلى أن الحرائق شبه السنوية لم تُفضِ يومًا إلى كشف الفاعلين، رغم ضيق المنطقة، ووجود مركز حرس ومركز إطفاء قريبين من موقع الحريق.

الأغرب، حسب حشاد، أن السنة الوحيدة التي لم تُسجل فيها حرائق بالغابة كانت سنة 2024، وهو ما يراه “صدفة غير بريئة”، خاصة وقد تكرر السيناريو مرات متتالية في جويلية 2025: في يوم 24 جويلية، وبعد إخماد حريق أول، اندلع آخر بعد أقل من ساعة وعلى بعد 400 متر من مركز الإطفاء. أما في الليلة التالية، فقد اشتعلت النار في منطقة وعرة تُعرف بـ”المايرية” في حدود الثالثة صباحًا. 

“من يشعل النار في الظلام؟” يتساءل حشاد، مشيرًا إلى وجود غرباء يتجولون في محيط الغابة دون معرفة هويتهم، وغياب أي متابعة أمنية حقيقية.

أرقام رسمية واتهامات “مبطّنة”

على المستوى الوطني، تؤكد الإدارة العامة للغابات أن معظم هذه الحرائق ليست طبيعية. إذ قال مدير المحافظة على الغابات، صحبي بن ضياف، في تصريح لوكالة “تونس إفريقيا للأنباء” في 13 جويلية 2025، إن 95% من الحرائق في تونس تعود إلى أسباب بشرية، إمّا بشكل متعمد أو عن طريق الإهمال، لافتًا إلى أن مجلة الغابات تُجرّم إشعال النار بين ماي وأكتوبر وتُجيز أحكامًا تصل إلى السجن المؤبد عند التسبب في ضحايا.

فيما يخص هذه السنة، بلغت المساحات المتضررة من الحرائق إلى حدود 10 جويلية نحو 550 هكتارًا، منها 297 هكتارًا من المساحات الغابية وشبه الغابية. وتعد ولايات الشمال الغربي، من بينها سليانة، أكثر المناطق عرضة للنيران، وفق المسؤول ذاته.

لكن كل هذه الأرقام لم تمنع تكرار سيناريو الحريق والتحقيق والنسيان في جبل بلوطة، ولا يبدو أن هذه “التحقيقات الحينية” التي تحدث عنها بن ضياف قد وصلت يوماً إلى تحديد الجناة في هذه المنطقة بالذات.

الأرض تتغيّر.. بعد أن تُحرق

خسارة الأشجار ليست سوى بداية. فالحرائق، وفق شهادات متقاطعة من المنطقة، تفتح الطريق أمام تحويل الأراضي الغابية إلى أراضٍ فلاحية. يُزرع الزيتون أو اللوز على أنقاض الغابة، ثم تُفوت الأراضي أو تُسجّل كملك خاص، رغم أنها كانت مصنفة ضمن الملك العمومي الغابي، وهو ملك لا يُباع ولا يُورّث قانونًا.

يتهم حشاد “شبكة كاملة” بالاستفادة من هذا الوضع: تتواطأ في إحراق الغابة، ثم تستغل بطء المؤسسات العقارية والقانونية لتغيير صبغتها وتحويلها إلى ملكيات قابلة للبيع.

كشف الحقيقة ليس مستحيلاً

يقترح الباحث خطوات بسيطة لتتبع ما حدث:

  • العودة إلى أرشيف المركز الوطني للاستشعار عن بعد لمراقبة تطور الغابة من 2010 إلى اليوم.
  • مراجعة دفاتر الخانة والمحكمة العقارية وملفات الـOTC لمعرفة كيف تحوّلت ملكيات الدولة إلى ملكيات خاصة.

لكن، كما يقول: “الملف واضح.. لكن الإرادة السياسية مغيبة”، حسب تقديره.

من يحرق ومن يربح؟

منذ 2011، فقدت سليانة ما يقارب 600 هكتار من غاباتها بسبب الحرائق، في صمت شبه تام من السلطات. 

ورغم أن القانون يُلوّح بعقوبات تصل إلى المؤبد، إلا أن الحريق مستمر، والفاعل “مجهول”، والمستفيد في الظل.

Share This Article