تمر أكثر من أربع سنوات على تصريحات الرئيس قيس سعيّد بشأن ضرورة وضع حد لتلوث مدينة قابس والمخاطر الصحية الناتجة عن نشاط المجمع الكيميائي، إلا أن المدينة لا تزال تواجه نفس الانبعاثات الكيميائية والأمراض المزمنة، فيما تتكرر الوعود الرسمية دون تنفيذ فعلي.
في 14 مارس 2021، قال الرئيس : «من غير المقبول أن تتواصل الوعود لسنوات دون تنفيذ، فيما يظلّ أهالي قابس يعانون من التلوث والأمراض». وبعد أكثر من أربع سنوات، وفي 11 أكتوبر 2025، جدّد تأكيده قائلاً: «يجب الإسراع بوضع خطة استراتيجية لوضع حدّ نهائي لهذه الكوارث البيئية، فأهلنا في قابس سينالون حقوقهم كاملة».
خلفية الأزمة
تستضيف قابس أحد أكبر المجمعات الكيميائية في تونس، والذي يضم مصانع للمواد الكيماوية والصناعات الثقيلة. على مدار سنوات، أثارت الانبعاثات الغازية والأبخرة الكيميائية قلق السكان والهيئات البيئية، نظراً لتأثيرها المباشر على صحة الإنسان، بما في ذلك أمراض الجهاز التنفسي والجلد والعين، وأضرار محتملة على الأطفال وكبار السن.
ووثقت تقارير محلية ودولية، من بينها تقارير منظمات حقوقية وصحية، ارتفاع معدلات الأمراض التنفسية والحساسية بين سكان المدينة، فضلاً عن تلوث الهواء والمياه والأراضي الزراعية المجاورة للمجمع الكيميائي.
ورغم تأكيدات سعيّد المتكررة على ضرورة إيجاد حل سريع، لم تشهد قابس أي إجراءات فعّالة تخفف من الانبعاثات أو تحمي السكان. وحدات المراقبة البيئية والإجراءات الوقائية التي أعلن عنها المسؤولون كانت محدودة التأثير أو غير مطبقة بشكل كامل، ما جعل الوضع البيئي يتفاقم.
الجهات المسؤولة عن الرقابة البيئية في تونس تواجه انتقادات مستمرة بسبب ضعف تطبيق القوانين البيئية، وهو ما يزيد من شعور السكان بالإحباط وفقدان الثقة في قدرة الدولة على حماية صحتهم وبيئتهم.
احتجاجات ومطالب شعبية مستمرة
خرج الآلاف من سكان قابس في مسيرات حاشدة ضد المجمع الكيميائي التونسي الذي أصبح محور اتهامات بأنه يقتل المدينة ببطء، وينشر السموم في هوائها ومائها وتربتها.
وانتشرت قوات الأمن بشكل كثيف في محيط المنشآت، وردّت على الاحتجاجات باستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين وفتح الطرق المغلقة ما زاد من حالة الاحتقان الشعبي، إذ اعتبر المحتجون أن رد فعل الأمن أشعل موجة غضب جديدة وأعاد الأزمات البيئية والصحية إلى قلب الشارع العام.
وتجددت الاحتجاجات، التي اندلعت قبل أكثر من أسبوع، على خلفية حالات اختناق جماعية شهدتها مناطق قريبة من المجمع، أبرزها منطقة شط السلام، حيث أصيب عشرات التلاميذ والمواطنين بصعوبات في التنفس وآلام في الساقين.
ووفق مصادر طبية محلية، بلغ عدد من احتاجوا إلى رعاية صحية نحو 122 شخصًا، بينهم أطفال نُقلوا إلى المستشفيات لتلقي الإسعافات، في حين أُسعف آخرون في أماكنهم نتيجة انبعاث غازات خانقة في الهواء.
