بمرور عامين على العدوان “الإسرائيلي” على قطاع غزة، وقف العالم الغربي، سيما الفنانون، على أبشع إبادة جماعية في العصر الحديث.
إبادة خلّفت حتى اللحظة 67 ألفا و173 شهيدا، و169 ألفا و780 مصابا، معظمهم أطفال ونساء.
فمنذ السابع من أكتوبر 2023، ترتكب “إسرائيل” بدعم أمريكي إبادة جماعية بغزة تشمل القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري، متجاهلة النداءات الدولية كافة وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وإضافة إلى القتلى والجرحى ومعظمهم أطفال ونساء، خلّفت الإبادة ما يزيد على 9 آلاف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح 460 فلسطينيا بينهم 154 طفلا.
هبّة هوليوودية لنصرة غزة
ومنذ انطلاق العدوان “الإسرائيلي” على غزة هبّ “نجوم” العالم “الأحرار” لنصرة الفلسطينيين، بالبيانات والتدوينات والاحتجاجات ورفع العلم الفلسطيني والكوفية في كبرى المهرجانات السينمائية والحفلات الموسيقية في جلّ العواصم الغربية، مندّدين بأبشع إبادة جماعية في العصر الحديث، داعين بصوت عال إلى إيقاف إطلاق النار في أكثر من مرّة، لكنّ لا من مُجيب.
ومن أبرز الأسماء الأيقونية الداعمة لغزة، تحظر النجمة العالمية أنجلينا جولي التي سارعت منذ انطلاق العدوان إلى تذكير العالم بأنّ “غزة بقيت منذ نحو العقدين بمثابة سجن مفتوح، وها هي تتحوّل بسرعة إلى مقبرة جماعية”.
بدوره كان تفاعل الفنان الأمريكي ذي الأصول المصرية رامي مالك مع ما تتعرّض له غزة من عدوان، صارما وثابتا، بنشره في أكثر من مناسبة صورا من العدوان “الإسرائيلي” المتواصل على المستشفيات، أبرزها فيديو لفلسطينية تبحث عن طفلها داخل أحد المستشفيات بعد قصف منزلها، مُعلّقا: “إنه ليس فيلما، هذا ما يعيشونه كل لحظة”.
كما أدان الفنان الأمريكي جون كيوزاك استهداف المدنيين في القطاع، وكتب عبر حسابه في إكس: “لا يمكن قبول اللاإنسانية في أيّ مفهوم للحضارة.. لا شيء يمكن أن يبرّر الوحشية التي تفرضها “إسرائيل” على المدنيين، لقد فشل نتنياهو، بكل وضوح وبساطة. إنّ موقفه المتشدّد فاشل تماما وليس لديه نهاية للعبة”.
أما الفنانة الأمريكية سوزان ساراندون فحوّلت صفحتها بموقع إكس إلى ساحة لمناقشة تطوّرات العدوان، خصوصا عندما نشرت صورة لمساحة الأرض التي استولى عليها مستوطنون في فلسطين بين عامَي 1918 و2021، وأخرى في الولايات المتحدة انتزعت من سكانها الأصليين بين عامَي 1492 و2021، مواصلة دعمها اللامشروط للحق الفلسطيني.
وهذا غيض من فيض المواقف المستنكرة للهجمات الهمجية للاحتلال على سكان غزة العزّل منذ بداية العدوان، ومع استمراره اكتسبت التنديدات بعدا آخر عبر توقيع البيانات الجماعية المناهضة للاحتلال، كان أبرزها ما وقّعه عدد من أبرز نجوم السينما العالمية والمخرجين في رسالة مفتوحة تدين ما وصفوه بـ”الصمت” الدولي حيال الإبادة الجماعية التي ترتكبها “إسرائيل” في قطاع غزة.
وجاءت الرسالة، التي حظيت بتوقيع أكثر من 370 فنانا ومخرجا، إدانة صريحة للعنف المتصاعد في القطاع، مع تركيز خاص على حادثة استشهاد المصورة الصحفية الشابة فاطمة حسونة، البطلة الرئيسية في فيلم “ضع روحك على كفّك وامشِ”، الذي عُرض في مهرجان كان السينمائي الـ78، حيث استشهدت حسونة مع 10 من أفراد عائلتها في غزة، بعد يوم من إبلاغها بعرض الفيلم في المهرجان.
وأعربت الرسالة عن “الخجل” من تقاعس قطاع السينما والفن عن اتخاذ موقف أخلاقي واضح من الحصار المفروض على غزة.
وشاركت في هذا الموقف شخصيات سينمائية بارزة منها: رالف فاينز، وريتشارد جير، ومارك رافالو، وسوزان ساراندون، وخافيير بارديم، وغي بيرس، ويواكين فينيكس، وبيدرو باسكال، وريز أحمد، وجولييت بينوش، وعمر سي.
إلى جانب المخرجين: ديفيد كروننبرغ، وبيدرو ألمودوفار، وألفونسو كوارون، ومايك لي، وغييرمو ديل تورو، وجيم جارموش، إضافة إلى مايكل مور وكاميّ كوتان.
الأمر ذاته تكرّر في النسخة الـ73 من مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي بإسبانيا، لكن بوتيرة أكثر تصعيدا هذه المرّة، حيث خرجت مجموعة من السينمائيين الإسبان من أمام مسرح “بيكتوريا أوخينيا”، يتقدّمهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون ومدير المهرجان خوسيه لويس ريبوردينوس، في مسيرة شارك فيها الآلاف من المتضامنين، قاطعةً مسارا يزيد على ألف متر.
وحملت المسيرة علما كبيرا لفلسطين ولافتة شعارها: “أوقفوا الإبادة، السينما مع فلسطين”، ضمّت مجموعة من الفنانين الإسبان على غرار أرتورو فالس، إيتثيار أتيينزا، فيرمين موغوروثا، إيساكي لاكويستا، إيلينا تابيرنا، إينيس باريس، دانييلا فيرمان، خوليو ميديم، إيتثيار إيتونيو وخوسي لويس غيرين.
مشهد تكرّر في النسخة الـ82 من البندقية السينمائي، حيث فاجأ نجوم إيطاليا رواد المهرجان بحرصهم على تقديم دعم لافت لغزة على السجادة الحمراء للمهرجان، عبر رفعهم شارة “فلسطين حرة”.
بدوره لفت المخرج المغربي نبيل عيوش وزوجته الممثلة والمخرجة مريم التوزاني الأنظار في المهرجان ذاته، عندما رفعا حقيبة يد مستوحاة من الكوفية الفلسطينية، مزيّنة بعبارة “أوقفوا الإبادة الجماعية في غزة”، أمام عدسات العشرات من الكاميرات الدولية.
فيما انسحبت الممثلة “الإسرائيلية” غال غادوت من المهرجان، على اعتبار أنها غير مرحب بمشاركتها فيه من خلال العرض الأول لفيلم “في يد دانتي” من إخراج جوليان شنابل.
وذلك بعد أن لاقت الممثلة “الإسرائيلية” حملة اعتراض واسعة من قبل مجموعة من الفنانين والمثقفين في إيطاليا والعالم تحت شعار “البندقية من أجل فلسطين”.
وحضّت حملة الاعتراض إدارة المهرجان على سحب الدعوة من غادوت وزميلها جيرارد بتلر، لأنّ وجودهما يُمثل تطبيعا مع السياسات “الإسرائيلية” في غزة حسب ما جاء في بيان رسمي وقّع عليه أكثر من 1500 فنان ومخرج ومنتج.
ودائما في عالم السينما، وقّع، أخيرا، أكثر من 1800 ممثل ومخرج ومنتج، على تعهّد بعدم العمل مع مؤسّسات سينمائية “إسرائيلية” يرون أنها ضالعة في الانتهاكات التي يرتكبها الكيان المحتل بحق الفلسطينيين.
ومن بين الممثلين الموقعين على التعهّد أوليفيا كولمان، وإيما ستون، وهانا أينبيندر، ومارك رافالو، وتيلدا سوينتون، وريز أحمد، وخافيير بارديم، وسينثيا نيكسون، إلى جانب مخرجين وممثلين وعاملين في السينما والتلفزيون، بمن فيهم فائزون بجوائز أوسكار وبافتا وإيمي والسعفة الذهبية.
الموسيقى الغربية في خدمة القضية
أما موسيقيا، فلم يحد المشهد عن سابقه، فحرب الإبادة الجماعية على القطاع أكسبت القضية زخما من التعاطف العالمي غير المسبوق في صفوف نجوم الغناء الغربي، بعد سنوات من الصمت أو اللامبلاة بما يحدث في أشدّ بقاع الأرض حصارا منذ عقود.
ومن ثمة أتت الهبّة الفنية العالمية المناصرة لغزة على قدر الوجع الفلسطيني، حيث دأبت نجمة البوب البريطانية ذات الأصول الكوسوفية دوا ليبا التي يتابعها نحو 90 مليونا عبر “انستغرام”، على نشر دعوات إلى وقف حرب الإبادة في غزة، مشيرةً إلى تقصير قادة دول العالم في الضغط على الاحتلال “الإسرائيلي” لوقف الحرب، بل وصل بها الأمر، أخيرا، إلى طرد وكيل أعمالها الدولي ديفيد ليفي بعد اكتشاف دعمه للاحتلال “الإسرائيلي”.
وجاء قرار ليبا عقب انكشاف دور ليفي في حملة هدفت إلى إلغاء مشاركة فرقة الراب الأيرلندية “نيكاب” في مهرجان غلاستونبري الموسيقي الشهير خلال جويلية الماضي.
وحسب التقرير، فإنّ ليفي، وهو يهودي ويمثل ليبا ضمن وكالة “ويليام موريس إنديفور” في لندن، فقد موقعه بعد الأزمة، في خطوة وصفت بأنها تعكس موقفا سياسيا حازما للفنانة البريطانية تجاه ممارسات الاحتلال “الإسرائيلي”.
وفرقة “نيكاب” المعروفة بمواقفها المؤيّدة للقضية الفلسطينية، وُصفت في الرسالة التي وقّعها ليفي بأنها “تغذي معاداة السامية”، ممّا أثار غضب ليبا التي تُعدّ من أبرز المدافعين عن فلسطين، والرافضين لحرب الإبادة على قطاع غزة.
الرسالة، التي وقّعتها أكثر من 100 شخصية فنية، أثارت احتجاجات واسعة، ودافع عنها ليفي “حماية للقيم اليهودية”، لكنها تعارضت مع مواقف ليبا السياسية الجريئة.
أما أبرز المساندين للقضية، فكان وما يزال مغني الراب الأمريكي ماكليمور، الذي أنتج في 2004 أغنية تحت عنوان “هند هول” (قاعة هند) داعمة للاحتجاجات التي شهدتها الجامعات الأمريكية العام الماضي، ومناهضة لحرب الكيان المستمرّة على القطاع.
فعلى امتداد 3 دقائق، دافع ماكليمور -واسمه الحقيقي بنجامين هاموند هاغرتي- في أغنيته عن اعتصام الطلاب، معتبرا أنّ استمراره ضروري حتّى إعلان وقف إطلاق النار في غزة.
كما انتقد في الأغنية دعم الحكومة الأمريكية دولة الاحتلال، ومساواتها معاداة “الصهيونية” بمعاداة السامية.
و”هند هول”، هو اسم الفتاة الفلسطينية هند رجب التي قتلها جيش الاحتلال في غزة، والذي اختاره الطلاب المحتجون في جامعة كولومبيا اسما لمبنى هاميلتون هول الذي كان مسرحا لاعتصامهم.
واتّخذ ماكليمور موقفا مناهضا لدولة الاحتلال، منذ بدء حرب الإبادة “الإسرائيلية” على قطاع غزة في أكتوبر 2023 الماضي، معلنا دعمه اللامشروط للشعب الفلسطيني في وجه الحرب.
وسخّر مغني الراب (40 عاما)، حساباته على منصات التواصل الاجتماعي لفضح جرائم الاحتلال ولدعم دعوات وقف إطلاق النار، مستفيدا من شعبيته الواسعة، وهو الذي يملك قرابة 10 ملايين مشترك في قناته على يوتيوب وأكثر من 5 ملايين متابع على إنستغرام، إضافة إلى مليونين آخرين عبر منصة إكس.
وتعوّد الرابور الأمريكي ارتداء الكوفية الفلسطينية، ورفعه شعارا داعما لقطاع غزة في عروضه المباشرة على المسارح العالمية، مُطالبا بتحرير الأراضي الفلسطينية من الاحتلال، وداعيا إلى وقف تمويل الحكومة الأمريكية لـ”إسرائيل”.
الأمر ذاته أتته فرقة الراب الأيرلندية الشمالية “نيكاب” في جلّ حفلاتها الغنائية بالعواصم العالمية برفعها علم فلسطين والدعوة إلى تحرير غزة، إلى حدّ مقاضاة عضو فرقتها المغني مو شارا بتهمة ارتكاب “جرم إرهابي” بعد حمله علم حزب الله خلال حفلة موسيقية في نوفمبر 2024، كما اتُهم بالهتاف “هيا يا حماس.. هيا حزب الله”.
إلّا أنّ القضاء البريطاني، قرٍّر، أخيرا إبطال محاكمته بسبب عيب إجرائي.
وفي تعقيب، اعتبر المغني أنّ القرار يظهر فشل المحاولات لإسكات الفرقة بسبب دعمها للفلسطينيين.
ومنذ توجيه الاتهام إلى المغني في ماي 2025، سُجِّلت زيادة كبيرة في شهرة الفرقة التي تُجاهر بدعمها القضية الفلسطينية، ولكن في المقابل ألغيت حفلات عدة لها في ألمانيا والنمسا.
كذلك حظرت الحكومة المجرية مشاركة أعضاء “نيكاب” في مهرجان في بودابست، ومنعتها كندا من دخول أراضيها. وأعلنت الفرقة إلغاء جولتها الأمريكية.
ومع ذلك انضمّت الفرقة إلى مبادرة “لا موسيقى للإبادة”، وهي مبادرة جديدة للمقاطعة الثقافية، تطالب الفنانين وأصحاب الحقوق بسحب موسيقاهم من منصات البث في “إسرائيل” ردا على الإبادة الجماعية المستمرّة في غزة.
وفيها وقّع أكثر من 400 فنان عالمي عريضة تطالب بإزالة أعمالهم من المنصات الموسيقية في دولة الاحتلال احتجاجا على استمرار الإبادة الجماعية بغزة.
ومن بين الفنانين المشاركين ماسيف أتاك، ورينا سواياما، وفونتين دي سي، ومايك، وبرايمال سكريم، وفاي ويبستر، وجابانيز بريكفاست، بالإضافة إلى شركات تسجيل وفرق موسيقية كبرى.
وفي السياق شهدت العاصمة البريطانية لندن، في منتصف سبتمبر الماضي، حدثا إنسانيا وفنيا بارزا مع إقامة حفل خيري ضخم بعنوان “معا من أجل فلسطين” على مسرح أرينا ويمبلي، بمشاركة جماهيرية واسعة وحضور فني عالمي متنوّع.
وقد بُث الحفل مباشرة عبر منصة “يوتيوب”، جامعا بين عروض موسيقية مؤثرة ورسائل إنسانية ألقتها شخصيات بارزة، هدفها تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وخُصصت جميع أرباح الفعالية لصالح منظمات فلسطينية تعنى برعاية الأطفال وتوفير احتياجاتهم الأساسية، من بينها “صندوق إغاثة أطفال فلسطين” و”جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية” و”مؤسسة التعاون”.
وشارك في الحفل كلّ من الموسيقي البريطاني الشهير بريان إينو الذي تولى دور المنتج التنفيذي للحفل، والمخرج خالد زيادة، والممثل البريطاني ذي الأصول المصرية خالد عبدالله، والمنتجة تريسي سيوار، والمصمّمة إس ديفيلين.
إلى جانب الموسيقي البريطاني جيمي إكس إكس، والمغني جيمس بليك، والفنان دامون ألبارن، والمغنية البريطانية بينك بانثيرس، والفنانة البريطانية اليابانية رينا ساواياما، والممثلة جميلة جميل، والممثلة والمطربة فلورنس بيو.
ومن بين المشاركين الفلسطينيين حضرت المغنية إليانا، والموسيقي سانت ليفانت، والمطربة لانا لوباني، والمنتجة سما عبدالهادي، ومغني الراب طارق أبو كويك المعروف باسم “فرعي”، إلى جانب الفنانة ناي البرغوثي، والملحن وعازف البيانو فراج سليمان.
هكذا غيّر المشهد المأساوي في غزة وحرب الإبادة الجماعية لأهلها نظرة نجوم الغرب للوجع الدامي والدائم للفلسطينيين، فما قبل 7 أكتوبر 2023، ليس هو ما بعده.