في ظل تصاعد ضغوط الرأي العام وتداول واسع لمشاهد اعتُبرت مسيئة لأطفال في سلسلة حفلات الفنان “الشامي” التي شهدتها عدة مهرجانات صيفية تونسية، بادرت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن إلى اتخاذ إجراء رسمي حازم، كلفت بموجبه المندوب العام لحماية الطفولة بإعلام النيابة العمومية وطلب فتح تحقيق قضائي شامل، في خطوة “تهدف إلى حماية الطفولة ووضع حد لانتهاكات متكررة تهدد براءة الأطفال” أمام عدسات وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه المشاهد التي انتشرت بشكل واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لا تقتصر على حفل واحد، بل تتكرر في مختلف فعاليات الفنان، حيث يظهر الأطفال والمراهقون في لحظات تدافع هيستيري أمام المسرح وأثناء تنقّله في الشوارع، وهم يسعون إلى التقاط الصور معه أو الحصول على معانقة، ما أثار حالة من الجدل والانتقاد على الساحة التونسية.
“الشامي” وهوس الجيل الجديد: بين الشهرة والطفولة
لطالما عرف جمهور “الشامي” في دول عربية مختلفة أن حفلاته تترافق مع مشاهد مماثلة من الحماس المفرط للأطفال والمراهقين، وهو ما يشير إلى ظاهرة متجذرة لا تقتصر على تونس فقط، بل تتصل بامتداد شعبيته الواسعة عبر الإنترنت، خصوصًا على منصات “إنستغرام” و”تيك توك”.
وفي هذا الصدد، تُعتبر هذه المنصات الإلكترونية اليوم أكثر من مجرد فضاءات ترفيهية؛ بل هي أدوات تشكيل وتوجيه رغبات وهواجس الشباب، حيث يشكّل “الشامي” رمزاً يُحاكى ويُتبع بعشق متزايد، مما يؤدي إلى مشاهد تدافع واندفاع أحياناً خارج نطاق السيطرة.
تحرك وزارة الأسرة: مواجهة التحديات القانونية والتربوية
في بلاغ رسمي، شددت وزارة الأسرة على أن حماية الطفل تمثل مسؤولية جماعية، مستندة إلى أحكام الفصل 52 من الدستور، وأوضحت أن نشر وتداول صور الأطفال دون احترام الإجراءات القانونية يشكل خرقًا لقانون حماية المعطيات الشخصية، وانتهاكًا لمصلحة الطفل الفضلى وفق مجلة حماية الطفل.
وأوضحت الوزارة أن المشاهد المنتشرة تُعد انتهاكًا واضحًا لخصوصية الأطفال، وتؤثر سلبًا على تكوينهم النفسي والاجتماعي، مطالبة الأسر بترشيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والحد من انتشار مشاهد قد تضر بالتنشئة السليمة لأبنائهم.
نقاش اجتماعي محتدم: من المسؤول؟
أثارت هذه الواقعة نقاشًا واسعًا بين متابعين تونسيين، حيث انقسم الرأي بين من ينتقد انتشار “ميوعة” في التربية وغياب رقابة الأهل، ومن يدافع عن حرية التعبير الفني والاحتفال الجماعي، معتبرين أن الحماس أمام الفنان هو تعبير طبيعي عن الإعجاب وليس بالضرورة مدعاة للقلق.
لكنّ الكل يتفق على ضرورة حماية الأطفال من استغلال أو مواقف قد تحوّل الطفولة إلى استعراض ترويج إلكتروني بحت، في وقت تتداخل فيه حدود الحياة العامة والخاصة بشكل متزايد مع عوالم الواقع الافتراضي.
رسالة واضحة إلى الإعلام والأسرة: مسؤولية مشتركة في حماية الطفولة
ختمت وزارة الأسرة دعوتها بالتأكيد على أهمية دور الإعلام في الامتناع عن نشر أو تداول مواد تنتهك حقوق الأطفال، وتوجيه وسائل الإعلام للتركيز على محتوى يعزز القيم الإيجابية، إلى جانب حث الأسر على توجيه أبنائها لاستخدام منصات التواصل بوعي وحذر.
يبقى السؤال الملحّ: كيف يمكن للتربية والمجتمع أن يوازنا بين عصر السوشيال ميديا وخصوصية الطفولة، وكيف تُحمى براءة الأطفال من الطمس في دوامة الشهرة والاحتفالات الجماهيرية؟