دعوات تونسية لتجريم التطبيع وإدراج “الحق الفلسطيني” في المناهج التربوية

في ذروة الغضب الشعبي العربي تجاه جرائم الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة في غزة، ومع تصاعد الغارات التي تحصد أرواح المدنيين يوميًا، تتجدّد في تونس الدعوات إلى سنّ قانون واضح وصريح يُجرّم التطبيع مع إسرائيل، ويقطع الطريق أمام أيّ اختراق صهيوني للسيادة الوطنية، سياسيًا أو ثقافيًا أو اقتصاديًا، في سياق الاتفاقيات الإبراهيمية التي تتصدر الواجهة.

فقد دعت كل من تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين والشبكة التونسية للتصدي لمنظومة التطبيع في بيان مشترك إلى تسريع تمرير هذا القانون، وإدماج “ثقافة الحق الفلسطيني” وتاريخ المقاومة في المناهج الدراسية، معتبرتين ذلك “استحقاقًا نضاليًا تاريخيًا يعكس موقع تونس الأصيل في معركة التحرر العربي”.

مطلب ما انفك يتصدر الواجهة

ليست هذه الدعوة الأولى من نوعها. فمع كل عدوان جديد على غزة أو القدس، يُعاد فتح ملف مشروع قانون تجريم التطبيع في تونس، دون أن يُمرَّر فعليًا رغم تبنّيه من نواب كُثر من مختلف الأطياف السياسية. وفي كل مرة، يُواجَه المشروع إما بالتجميد في أروقة البرلمان أو بالتحفظ من بعض الجهات الرسمية.

وفي خضم الحرب الأخيرة على غزة، عاد المطلب ليتصدّر واجهة النقاش العام، خاصة في ظل انكشاف عمق التورط الأمريكي والأوروبي في دعم العدوان عسكريًا وسياسيًا.

الاعتصام أمام السفارة الأمريكية: رفض مباشر للداعم الأول لإسرائيل

المثير في هذه الموجة الجديدة من الحراك التونسي أنها لم تكتفِ بالتنديد الخطابي، بل نُظّم اعتصام مفتوح أمام مقر السفارة الأمريكية بتونس العاصمة، في تحرك رمزي يرمي إلى فضح “شراكة واشنطن الفعلية في جرائم التجويع والقصف”، كما جاء في البيان.

وأكّد منظمو الاعتصام أنّ التحرك “شهد توافدًا من مواطنين من مختلف الولايات، تجسيدًا لوعي شعبي راسخ يعتبر دعم فلسطين قضية مبدئية لا تخضع للمزايدات”.

المشاركون اعتبروا السفارة الأمريكية “موقعًا فعليًا لصياغة الأجندات المتورطة في إجهاض النضال الفلسطيني”، داعين إلى مقاطعة كل المؤسسات المرتبطة بها، سواء أكانت ثقافية أو اقتصادية.

“سفينة حنظلة” و”أسطول الصمود المغاربي”: جسور شعبية في وجه الحصار

من جهة أخرى، نوّه البيان برحلة “سفينة حنظلة” التي أبحرت في محاولة جديدة لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، وشارك فيها مناضلون من بلدان عدة، من ضمنهم الناشط التونسي حاتم العويني، الذي تحدّى الحصار بروح نضالية لافتة.

وأشار البيان إلى قرب انطلاق “أسطول الصمود المغاربي”، في مبادرة تنسيقية بين نشطاء من المغرب العربي، تهدف إلى تحريك الرأي العام العالمي من جهة، ودعم خطوط الإسناد الفعلي لغزة من جهة أخرى.

تونس وفلسطين: علاقة تاريخية تتجاوز التضامن العاطفي

البيان أعاد التذكير بأن الدم التونسي امتزج مرارًا بالدم الفلسطيني، منذ احتضان منظمة التحرير بعد خروجها من بيروت عام 1982، وصولًا إلى استهداف إسرائيل مباشرة للأراضي التونسية في مجزرة حمام الشط. كما لم تغب تونس عن مشهد الشهداء، وكان من بينهم أبو جهاد، الذي اغتيل على أراضيها سنة 1988.

هذه الخلفية تجعل من قضية فلسطين جزءًا من الذاكرة الوطنية التونسية، وليست مجرد تعاطف موسمي. ولذلك شدّد البيان على أن تمرير قانون تجريم التطبيع لا ينبغي أن يكون استجابة ظرفية، بل “خطوة سيادية تؤسّس لثقافة المقاومة السياسية والمجتمعية”.

أي دور للمنظومة التربوية؟

اللافت في البيان أيضًا هو التركيز على المناهج التربوية، حيث دعت المنظمات إلى دمج تاريخ المقاومة الفلسطينية في التعليم الرسمي، حتى لا تنشأ أجيال مشوهة الذاكرة، منزوعة الوعي، تقبل التعايش مع الجريمة كأمر عادي.

ويُذكر أن مقترحات مشابهة طُرحت سابقًا دون أن يتم تفعيلها فعليًا، ما يعكس صراعًا بين إرادتين: إرادة سيادية وشعبية تسعى لتحصين الوعي، وأخرى تنخرط، صراحةً أو تواطؤًا، في مسار التمييع والتطبيع.

نحو بناء إستراتيجية مقاومة مدنية طويلة النفس

تعتبر التنسيقية والشبكة أن ما حصل خلال الاعتصام ليس نهاية التحرك، بل بدايته، داعيتين إلى تحويل الزخم الشعبي إلى تحركات ميدانية محلية، وورش تفكير تضع تصورًا إستراتيجيًا لمواجهة مشروع “الاختراق الصهيوني” المتسلل عبر الاقتصاد والإعلام والمجتمع المدني.

وفي هذا السياق، شدّد البيان على ضرورة العمل التنسيقي بين القوى الوطنية والمنظمات الداعمة لفلسطين في مختلف بلدان المنطقة، والتصدي لما سمّاه بـ”الاختراق الناعم للمشروع الإبراهيمي الذي يُراد فرضه كأمر واقع”.

Share This Article