رغم أن الحوض المنجمي في قفصة يختزن واحدة من أغنى ثروات تونس الطبيعية، فإن أبناءه يعيشون تهميشًا مزمنًا يكاد يجعل الحياة هناك ضربًا من النجاة اليومية. في هذه الأرض التي تنتج قرابة 80% من الفسفاط التونسي، يبدو أن نصيب السكان هو البطالة، والتلوث، والموت البطيء.
وفق خريطة التنمية الجهوية لسنة 2024، الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتخطيط، يُصنّف الحوض المنجمي ضمن المناطق الأربع الأخيرة وطنيًا من حيث مؤشرات التنمية.
ترتيب ليس مفاجئًا لمن يعرف طبيعة الإقصاء الذي تعانيه الجهة، لكنه يظل صادمًا حين يوضع بجانب أرقام الإنتاج والثروة.
ثروة تُنقَل.. وفقر يتعمّق
تنتج تونس نحو 5 ملايين طن من الفسفاط سنويًا، وفق أرقام 2023، معظمها يُستخرج من مناطق الرديف، المظيلة، المتلوي وأم العرائس، بحسب معطيات شركة فسفاط قفصة، كما ورد في بيان صادر عن “حراك يزينا” بالرديف.
رغم أن الحوض المنجمي في قفصة يختزن واحدة من أغنى ثروات تونس الطبيعية، فإن أبناءه يعيشون تهميشًا مزمنًا يكاد يجعل الحياة هناك ضربًا من النجاة اليومية
وتُقدّر صادرات الفسفاط ومشتقاته بنحو 1.8 مليار دينار، بحسب بيانات البنك المركزي لسنة 2023.
رغم ذلك، يشير البيان إلى أن أكثر من 90% من سكان المنطقة لا يستفيدون من هذه الثروة، بل يُقصون حتى من فرص التشغيل داخل الشركة نفسها، التي تقع مقراتها على أراضيهم.
موت مؤجل في ظل غياب الرعاية
قطاع الصحة يُجسّد حالة الانهيار، فولاية قفصة لا تضم أي مستشفى جامعي، ويُقدَّر عدد أطباء الاختصاص في الحوض المنجمي بأقل من سبعة، موزعين على أربع معتمديات شاسعة، وفق ما أشار إليه بيان الحراك.
تقرير لوزارة الصحة لسنة 2022 أشار إلى أن نسبة الوفيات الناتجة عن غياب الرعاية الصحية تجاوزت ثلاثة أضعاف المعدل الوطني.
حراك يزينا: تُقدّر صادرات الفسفاط ومشتقاته بنحو 1.8 مليار دينار، رغم ذلك أكثر من 90% من سكان المنطقة لا يستفيدون من هذه الثروة
البيان نفسه وثّق قصصًا مأساوية تُجسّد هذا الواقع: وفاة امرأة أثناء الولادة في مستشفى الرديف بسبب غياب طبيب تخدير، عامل منجمي يُتوفى بأزمة قلبية أمام مستشفى أم العرائس لغياب أدوات الإنعاش، وطفل من المظيلة يموت بلدغة عقرب بسبب تأخر سيارة الإسعاف والمسافة الطويلة إلى أقرب مركز إنعاش.
بطالة تتفاقم وكرامة تُهان
نسبة البطالة في الحوض المنجمي تفوق 28%، وفقًا لتقرير المعهد الوطني للإحصاء (2023)، ويؤكد “حراك يزينا” أن الرديف وحدها تحتضن أكثر من 3 آلاف شاب عاطل عن العمل. ورغم تعدد المجالس الوزارية والوعود الرسمية، فإن أقل من 6% من أبناء المنطقة تم انتدابهم في شركة فسفاط قفصة منذ سنة 2011، فيما تم تشغيل البقية عبر مناولات هشّة تفتقر لأي حماية اجتماعية أو أفق مهني.
تحت الأرض ذهب.. وفوقها عطش
البيان تحدّث أيضًا عن انقطاع مياه الشرب لأيام وأسابيع في مختلف مدن الحوض المنجمي، منها الرديف والمظيلة والمتلوي وأم العرائس، مقابل استهلاك مغاسل الفسفاط لأكثر من 45 ألف متر مكعب من الماء يوميًا. وفي صيف 2024، تجاوز انقطاع الماء في أكثر من 15 حيًا بالرديف 40 يومًا، وفق ما وثّقه الحراك.
“لسنا عبيدًا في مناجم استعمارية”
تحت هذا الشعار اختار “حراك يزينا” أن يختتم بيانه، متسائلًا عن “أي عدالة تجعل من أبناء الأرض آخر من يستفيد منها؟”، ومنددًا بما وصفه بـ”سياسة ممنهجة لعزل الحوض المنجمي وتهميشه وتمرير ثروته نحو العاصمة والساحل دون أي مردود اجتماعي”.
ويؤكد الحراك أن هذا الواقع “ليس قدرًا بل خيار سياسي”، معلنًا رفضه للصمت والنهب والموت البطيء، ومتعهدًا بأن “الحوض المنجمي سينهض، وسيحاسب، وسيفرض كرامته”.