بينما لا تزال غزة تئنّ تحت نيران القصف، ظهر الإمام الفرنسي من أصل تونسي حسن الشلغومي في القدس، محاطًا برجال دين مسلمين من أوروبا، مبتسمًا في حضرة الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، بل محاولًا تقبيل يد وزير داخليته. مشهد أشعل غضبًا واسعًا، وفتح أبواب الملاحقة القضائية في تونس.
مرصد الشفافية والحوكمة الرشيدة يعلن عن تقدّمه بشكوى ضد الشلغومي بتهمة “الخيانة العظمى” مطالبًا السلطات التونسية بسحب الجنسية منه
مرصد الشفافية والحوكمة الرشيدة لم يتأخر، فأعلن تقدّمه بشكوى ضد الشلغومي بتهمة “الخيانة العظمى”، مطالبًا السلطات التونسية بسحب الجنسية منه، معتبرًا أن ما أقدم عليه “وصمة عار” تمسّ بهيبة الدولة التونسية، وتشكّل “دعوة صريحة للتطبيع مع كيان غاصب لا يزال يرتكب المجازر في غزة”.
الزيارة التي جرت الاثنين الماضي، ووصفتها سلطات الاحتلال بأنها تهدف إلى “بناء الجسور والحوار”، ضمّت وفدًا من رجال الدين المسلمين من فرنسا وبلجيكا وهولندا والمملكة المتحدة وإيطاليا، وقادها الشلغومي بنفسه، بتنظيم من منظمة “ENLEAD” التي تعمل على تعزيز العلاقات بين أوروبا و”إسرائيل”. وقد سبق لهذه الجهة أن نظمت تظاهرات في باريس شارك فيها رموز من اليمين المتطرف الفرنسي، تحت لافتات معادية للإسلام.
وقد أشاد الرئيس الإسرائيلي، في منشور على منصة “إكس”، بالوفد الذي استقبله في مقر الرئاسة، وخصّ الشلغومي بالثناء لاختياره ما وصفه بـ”طريق الإيمان وبناء الجسور في وقت التوتر بين اليهود والمسلمين”. لكن في تونس، لم يُقرأ هذا المشهد إلا كخيانة علنية.
وقال مرصد الشفافية والحوكمة الرشيدة، في بيانه: “ما صدر عن الشلغومي لا يمثل الشعب التونسي ولا يشرف الدولة التونسية، وهو تحريض مباشر ضد المقاومة، وضرب لمسار التصدي للمشروع الصهيوني”. ودعا إلى تتبعات قضائية في المحاكم العسكرية، بتهم تصل إلى “التخابر مع دولة أجنبية”.
الردّ الشعبي لم يتأخر أيضًا، إذ عجّت مواقع التواصل بحملات تطالب بمحاسبة الشلغومي وتجريده من كل صفة تمثيلية
ودعا المرصد إلى سحب الجنسية التونسية من الشلغومي، وطالب القضاء التونسي بـ”إثارة الدعوى العمومية ضد حسن الشلغومي لأن ما ارتكبه يعتبر خيانة عظمى ومس من هيبة الدولة”، مذكرا بـ”إجراءات التتبع القضائي في المحاكم العسكرية بتهمة الخيانة لكل من يثبت تورطه في التخابر مع دول خارجية والتطبيع مع الكيان الصهيوني”.
الردّ الشعبي لم يتأخر أيضًا، إذ عجّت مواقع التواصل بحملات تطالب بمحاسبة الشلغومي وتجريده من كل صفة تمثيلية. وكتب أحدهم: “من يُصافح القاتل لا يمكن أن ينتمي إلى الضحية”، بينما تساءل آخرون: “هل من يُبرّر القتل يستحق شرف الانتماء إلى تونس؟”.
الشلغومي ليس غريبًا عن الجدل. فالرجل المعروف بولائه للرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي ودعمه لحظر النقاب، سبق أن انتقد المقاومة الفلسطينية علنًا، وخاصة حركة “حماس” بعد عملية “طوفان الأقصى”، معتبرًا أنها “استهدفت الأبرياء”. كما يملك علاقات وثيقة بمنظمات يهودية في فرنسا، ودأب على زيارة تل أبيب ولقاء مسؤوليها، في مواقف تزداد إثارة للغضب كلما اشتدت آلة الحرب على الفلسطينيين.
ومع استمرار المجازر في غزة وسقوط آلاف الشهداء، يتحوّل اسم الشلغومي من جديد إلى عنوان للغضب، والتساؤل: هل وصل التطبيع إلى حدّ السقوط الأخلاقي؟