نشر الصحفي المتخصص في الشؤون الدولية إيشان ثارور تقريرا في صحيفة “واشنطن بوست” عاد فيه بالشرح على طبيعة العلاقات الدولية في كنف ما أسماها “فوضى الولاية الثانية” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
واعتبر ثارور في تقرير ترجمته منصة “تونس بلس” أن القادة والزعماء في العالم باتوا أمام خيارين لا ثالث لهما : إما التملق لترامب والإطناب في الإطراء والثناء عليه وعلى سياساته بلا توقف أو معارضته، بشكل صريح وهو ما يكلّف أصحابه علاقات متشنجة مع رئيس يميني يحكم أقوى دولة في العالم، وفي مقابل ذلك يعزز نفوذهم السياسي داخليا في دولهم .
وضرب التقرير مثلا على المسارين فمنذ أيام قدم رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو طلبا إلى لجنة نوبل يرشّح فيها ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام في مشهد ينضح تملقا وتزلفًا، وفي المقابل وبشكل متزامن، اتخذ الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا موقفا صداميا فاقعا تحدى من خلالها رسوم ترامب الجمركية.
وأرجع الكاتب سلوكيات نتنياهو السياسية المتملقة لترامب إلى الضغوطات الداخلية التي يواجهها بسبب الحرب في غزة وتهم الفساد التي تجرّه إلى أروقة المحاكم وبالتالي فقد بات من الضروري استمالة الرئيس الأمريكي إلى صفه كنَوْعٍ من الحصانة وهو ما يمر بالضرورة من بوابة “نوبل” .
واستذكر المقال قائمة القادة الذين سبقوا أن رشحوا ترامب لذات الجائزة خلال عهدته الرئاسية الأولى ومن بين هؤلاء رئيس الوزراء الياباني الأسبق شينزو آبي ورئيس وزراء باكستان السابق المسجون عمران خان، علاوة على مجموعة الرؤساء الأفارقة الذين رشحوا ترامب لجائزة نوبل منذ أيام خلال لقاء بالبيت البيضاوي لم يلتزم فيه ترامب بأبسط نواميس الاحترام حيال ضيوفه .
واعتبر الكاتب بأنه على النقيض تماما من جحافل المتملقين لترامب، اختار الرئيس البرازيلي لولا داسيلفا فتح جبهة مواجهة مباشرة مع الرئيس الأمريكي بإعلانه عن تبنّي مبدأ المعاملة بالمثل قائلا “إذا فرضوا علينا رسوماً بنسبة 50%، فسنفرض عليهم ذات النسبة إن الاحترام أمر جيد.. شرط أن يكون متبادلا”
حيث استغل الرئيس البرازيلي هذا التصعيد لتعزيز نفوذه السياسي في البرازيل التي تستعدّ لانتخابات خلال العام المقبل، وليس أفضل في هذا الظرف من اصطناع خصم خارجي يقوي حظوظه فيها .
وأشار التقرير إلى أن سياسات ترامب الهجومية تروق للمكونات اليسارية في العالم فقد سبق أن مثّل الرئيس الأمريكي هدية لجاستن ترودو في كندا لتمديد حكمه، كما أن الأمر لم يكن مختلفا في أستراليا حيث استثمرت حكومة حزب العمال اليساري في عدائها للرئيس الأمريكي ووصفت منافسها اليميني بأنه “مرشح ترامب” في حركة أكسبتها تأييد الجمهور المناهض للسياسات “الترامبية”.
وبالرغم من طرحه الذي دعمّه بعديد الأمثلة، استدرك الكاتب بالقول أن الكثير من القادة ليس لديهم ترف الصدام مع أمريكا، وهو ما يفسر سعي العديد منهم إلى تبني نهج وسطي موغل في الحذر مع رئيس يرى السياسة الخارجية من منظور “التطوير العقاري” و”الصفقات” .
وعاد الكاتب على العلاقة المتينة بين ترامب وعدد من زعماء دول الخليج العربي النفطية الثرية التي “كانت سخية مع ترامب وعائلته سواء بتقديم الهدايا أو بدعم مشاريعهم الاستثمارية “غير أنها تجد صعوبة بالغة في إيجاد مقاربة توائم بين استرضائها لترامب من جهة وبين تسويقها لهذا التوجه لدى شعوبها التي لا تستمرئ هذا الاستغلال الأمريكي لثروات بلدانها.
وختمت الواشنطن بوست تقريرها بالحديث عن نموذج اليابان إذ يحاول رئيس وزرائها الحفاظ على علاقة مميزة مع ترامب، فكان أول زعيم آسيوي يزوره بالبيت الأبيض بعد فوزه بالانتخابات، لكن ذلك لم يشفع له بأن يستثني بلاده من نير الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على عديد الدول .