بينما كانت دمشق تلتقط أنفاسها في محاولة لاستعادة بعض الاستقرار وسط ركام عقد من الحرب، جاءت الغارات الإسرائيلية الأخيرة لتؤكّد أن الجبهة السورية لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن “مشروع التفكيك” الذي تتهم تل أبيب بقيادته لا يزال يتحرّك ببطء لكن بثبات.
في تونس، قوبل هذا التصعيد بجملة من المواقف السياسية التي لم تكتفِ بالتنديد، بل ذهبت إلى تحميل إسرائيل وحلفائها مسؤولية محاولة إعادة رسم خارطة المنطقة من جديد، انطلاقًا من تفكيك البنى الوطنية واستغلال التوترات الطائفية والإثنية، تحديدًا في سوريا.
مخطط لتقسيم سوريا
في هذا السياق، أدان حزب العمل والإنجاز ما وصفه بـ”العدوان الصهيوني الغادر والمتكرر”، معتبراً أن استهداف دمشق ومناطق سورية أخرى لا يمكن عزله عن “مخطط استراتيجي يسعى إلى تقسيم سوريا وإضعافها عبر استثمار ملف الأقليات”.
حزب العمل والإنجاز: استهداف دمشق ومناطق سورية أخرى لا يمكن عزله عن “مخطط استراتيجي يسعى إلى تقسيم سوريا وإضعافها عبر استثمار ملف الأقليات”
وأضاف الحزب، في بيان له، أن “هذا التصعيد الخطير يأتي في لحظة مفصلية تخوض فيها سوريا معركة استعادة سيادتها وبناء مؤسساتها بعد سنوات من التضحيات”، مؤكّدًا تضامنه الكامل مع الشعب السوري في مواجهة ما سماها “العربدة الصهيونية”.
ولفت الحزب إلى أن هذه الاعتداءات لن تزيد شعوب المنطقة سوى إصرارًا على مقاومة الاحتلال ورفض كل أشكال التطبيع معه، محمّلًا الكيان الإسرائيلي ومن يدعمه أو يصمت عن جرائمه كامل المسؤولية عن هذا العدوان وتبعاته.
خطة ممتدة منذ عقود
من جهته، استعاد المؤرخ والمحلل السياسي التونسي عبد اللطيف الحناشي سجلّ الاعتداءات الجوية الإسرائيلية في المنطقة، مشيرًا إلى أنها ليست استثناء بل قاعدة ثابتة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.
وقال الحناشي، في تدوينة له، إن “طيران الكيان يسرح ويمرح من القاهرة إلى بغداد، ومن تونس إلى بيروت ودمشق وطهران، دون أن يواجه ردعًا حقيقيًا”، مضيفًا أن “قوة إسرائيل لا تكمن فقط في سلاحها الجوي، بل في إخلاص حلفائها لها وتحالفاتها الاستراتيجية التي تضمن لها الإفلات من أي محاسبة دولية”.
عبد اللطيف الحناشي: تل أبيب ماضية في فرض موازين قوى جديدة على الأرض، مستغلة الانقسام الإقليمي والانشغال الدولي بجبهات أخرى
وحذّر الحناشي من أن استمرار هذه الاعتداءات دون رادع يعكس هشاشة الرد العربي الرسمي، ويؤشّر إلى أن تل أبيب ماضية في فرض موازين قوى جديدة على الأرض، مستغلة الانقسام الإقليمي والانشغال الدولي بجبهات أخرى.
المستهدف ليس النظام بل الجغرافيا السورية برمّتها
في السياق ذاته، اعتبر زهير حمدي، الأمين العام لحزب التيار الشعبي، أن العدوان على سوريا “ينبغي أن يُدان بشكل قاطع، بغضّ النظر عن طبيعة النظام الحاكم”، مؤكّدًا أن “المستهدف الحقيقي هو وحدة سوريا وجغرافيتها، وليس النظام أو السلطة”.
زهير حمدي: المستهدف الحقيقي هو وحدة سوريا وجغرافيتها، وليس النظام أو السلطة
وأشار حمدي إلى أن “وزير الحرب الإسرائيلي نفسه كشف النوايا الحقيقية لهذا العدوان، والذي يهدف إلى تحريك الأوضاع وخلط الأوراق من أجل التقدّم في مشروع إعادة رسم خرائط المنطقة”، مضيفًا أن هذا المخطط لم يكن ليتقدّم لولا وجود “عملاء مهدوا الأرضية له داخليًا وإقليميًا”.
موقف أممي باهت أمام تصعيد غير مسبوق
في المقابل، جاء رد فعل الأمم المتحدة باهتًا كعادته، إذ عبّر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة عن “القلق البالغ” إزاء تصاعد التوتر في سوريا، ودعا جميع الأطراف إلى “ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنّب أي خطوات من شأنها زعزعة الاستقرار”.
ورغم تسجيل الأمم المتحدة لآلاف الانتهاكات للسيادة السورية منذ بدء الحرب، إلا أن مجلس الأمن فشل مرارًا في اتخاذ موقف حاسم حيال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، بسبب تعقيدات المشهد الدولي و”الفيتو” الأمريكي الدائم الذي يحول دون إدانة الاحتلال.
ويرى مراقبون أن الموقف الأممي لم يرتقِ إلى مستوى الانتهاك الصارخ لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ما يكرّس مناخ الإفلات من العقاب، ويمنح إسرائيل هامشًا أوسع لتكريس استراتيجيتها العسكرية على الأرض.
تفكيك من الداخل: الأقليات كأداة اختراق استراتيجي
على المستوى التحليلي، يحذّر خبراء من أن إسرائيل لم تعد تعتمد فقط على التفوق العسكري، بل باتت توظف ورقة “حقوق الأقليات” كسلاح ناعم لاختراق النسيج الداخلي لدول الجوار، خصوصًا في سوريا ولبنان والعراق.
وتشير تقارير دولية إلى محاولات سابقة لتغذية نزعات الانفصال والتفتيت داخل هذه البلدان، بدعوى “حماية الأقليات”، وهو ما يراه خصوم إسرائيل امتدادًا لسياسة “الفرّق تسد” التي تخدم بالأساس بقاء الاحتلال وشرعنته في منطقة مُجهدة وممزّقة.
في انتظار موقف عربي يتجاوز الشعارات
في ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات داخل تونس وخارجها إلى تحرك عربي موحد لوقف الاستباحة الإسرائيلية المستمرة للسيادة العربية، لكن المؤشرات الميدانية والسياسية لا توحي بوجود إرادة حقيقية لدى معظم العواصم، التي باتت ترى في الصمت أو التطبيع سبيلًا لتفادي المواجهة المباشرة.