ترامب يفتح جبهة الرسوم الجمركية.. تونس في قلب العاصفة

في تطوّر مفاجئ ينذر بتداعيات اقتصادية ثقيلة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الإثنين 7 جويلية/يوليو 2025، عن فرض تعريفة جمركية بنسبة 25% على جميع المنتجات التونسية المصدّرة إلى الولايات المتحدة، وذلك بداية من غرة أوت/أغسطس المقبل.

القرار جاء في رسالة وجّهها ترامب مباشرة إلى الرئيس التونسي قيس سعيّد، قال فيها إنّ هذه الخطوة “ضرورية لتصحيح سنوات طويلة من السياسات التجارية غير العادلة من الجانب التونسي”، مضيفًا أن العجز التجاري الذي تحققه تونس في تعاملاتها مع واشنطن “يُهدّد الاقتصاد الأميركي بل والأمن القومي أيضًا”، على حد وصفه.

وأضاف ترامب في الرسالة: “رغم هذا العجز، قرّرنا المضي قدمًا في علاقتنا التجارية مع تونس، ولكن على أساس أكثر توازنًا وإنصافًا”، مؤكدًا أن نسبة 25% المقترحة “أقل بكثير مما هو مطلوب فعليًا لسد فجوة الميزان التجاري”.

وتُعدّ تونس من بين 12 دولة تلقّت رسائل مماثلة من البيت الأبيض، ضمن خطة ترامب التي انطلقت منذ 2 أفريل تحت اسم “يوم التحرير”، وتهدف إلى فرض رسوم جمركية مشددة على صادرات دول العالم إلى الولايات المتحدة بنسب تراوحت بين 20% و40%.

تونس في قلب العاصفة.. قطاعات مهدّدة وتوازنات مالية هشّة

وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ الجامعي والمختص في الاقتصاد رضا الشكندالي أن الرسوم الأمريكية ستؤثر سلبًا على تنافسية الصادرات التونسية نحو السوق الأمريكية، خاصة في قطاعات حساسة مثل التمور، وزيت الزيتون، والنسيج. ورغم أن هذه الصادرات لا تمثّل سوى 10% من إجمالي الصادرات التونسية، فإن تأثّرها سيكون مضاعفًا من حيث العجز التجاري واحتياطات العملة الصعبة ونمو الناتج المحلي.

الشكندالي: الرسوم الأمريكية ستؤثر سلبًا على تنافسية الصادرات التونسية والمستوردون الأميركيون قد يلجؤون إلى أسواق بديلة أرخص، مثل المغرب، مما يجعل السلع التونسية غير قادرة على الصمود

وأوضح الشكندالي، في تصريح إعلامي سابق، أن المستوردين الأميركيين قد يلجؤون إلى أسواق بديلة أرخص، مثل المغرب، مما يجعل السلع التونسية غير قادرة على الصمود. كما حذر من أن الحرب التجارية الحالية قد تؤدي إلى موجة تضخّم عالمي، سترتدّ سلبًا على تونس عبر ارتفاع كلفة الواردات الأوروبية، وتفجّر أزمة تضخم مستورد ستدفع بالبنك المركزي إلى مراجعة سياسته النقدية وربما العودة إلى رفع الفائدة بعد أن كان خفضها مؤخرًا إلى 7.5%.

“التداعيات غير المباشرة معقّدة”

في المقابل، اعتبر الخبير الاقتصادي ووزير التجارة الأسبق محسن حسن أن التأثيرات المباشرة على تونس ستبقى محدودة بالنظر إلى ضعف المبادلات التجارية بين تونس والولايات المتحدة.
وقال، في تصريح إعلامي سابق، إن حجم المبادلات لا يزال متواضعًا، حيث بلغ فائض الميزان التجاري مع أميركا خلال 2024 نحو 215.8 مليون دينار، في حين قُدّرت الصادرات التونسية إلى السوق الأميركية خلال شهري جانفي وفيفري 2025 بـ360 مليون دينار مقابل واردات بـ480 مليون دينار.

لكنه شدد على أن التأثيرات غير المباشرة ستكون أخطر، موضحًا أنها ستنقسم إلى جوانب إيجابية وأخرى سلبية. فعلى الجانب الإيجابي، لفت حسن إلى أن الإجراءات الحمائية الأميركية قد ساهمت في تراجع سعر خام برنت إلى 70 دولارًا للبرميل بعد أن كان في حدود 80 دولارًا بداية السنة، وهو ما سيُخفف الضغط على المالية العمومية التونسية، خاصة وأن قانون المالية تم إعداده على أساس سعر مرجعي يبلغ 74 دولارًا.

كما أشار إلى أن تراجع سعر صرف الدولار مقابل الأورو والدينار سيكون له أثر إيجابي على كلفة واردات الطاقة والمواد الأساسية، كما سيُعزّز الموجودات من العملة الأجنبية ويُساهم في تقليص اختلال التوازنات الكبرى للمالية التونسية.

ركود أوروبي وتقلص الطلب.. الجانب السلبي من المعادلة

من جهة أخرى، حذر محسن حسن من انعكاسات سلبية محتملة على تونس، تتمثل في حالة الركود الاقتصادي والتضخم التي قد تضرب الأسواق الأوروبية نتيجة هذه الحرب التجارية، ما سيؤدي إلى تراجع الطلب الأوروبي على الصادرات التونسية، في سياق اقتصادي هشّ أصلًا.

محسن حسن يحذر من انعكاسات سلبية محتملة على تونس، تتمثل في حالة الركود الاقتصادي والتضخم التي قد تضرب الأسواق الأوروبية نتيجة هذه الحرب التجارية

ودعا حسن إلى مراجعة شاملة للسياسات التجارية التونسية واتفاقيات التبادل الحر، خصوصًا مع الاتحاد الأوروبي، من أجل دفع الصادرات وحماية القطاعات المحلية الهشة. كما شدد على ضرورة تنويع الشركاء التجاريين وتوسيع أسواق التصدير نحو أمريكا اللاتينية وإفريقيا، معتبرًا أن المرحلة القادمة تفرض على تونس الاستعداد لجذب استثمارات جديدة في ظل إعادة توزيع سلاسل القيمة العالمية.

وللإشارة، فقد بلغت قيمة الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2025 نحو 18866,6 مليون دينار، أي ما يمثل 70,3% من إجمالي الصادرات التونسية، مقابل 18799,7 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من سنة 2024، مسجّلة بذلك زيادة طفيفة.

وشهدت الصادرات نحو بعض الشركاء الأوروبيين تطورًا ملحوظًا، إذ ارتفعت نحو ألمانيا بنسبة 16,9%، ونحو فرنسا بنسبة 3,4%، كما سجّلت الصادرات نحو هولندا نموًا بنسبة 13,5%.

في المقابل، سجّلت تراجعًا مع شركاء أوروبيين آخرين، من بينهم إيطاليا بنسبة 6,5%− وإسبانيا بنسبة 30,8%−.

تونس أمام اختبار تجاري جديد في وقت صعب

إن الرسوم الجمركية الأميركية التي تبدأ أولى مراحلها اليوم، ليست سوى ترجمة لعالم يتغير بسرعة، تحكمه الحمائية والمصالح الذاتية. وبين إجراءات مباشرة وأخرى غير مرئية، تقف تونس أمام اختبار معقّد يتطلب ليس فقط تحرّكًا دبلوماسيًا عاجلًا، بل مراجعة جذرية لخياراتها التجارية واستراتيجياتها الاقتصادية.

فهل ستنجح تونس في التفاوض لتقليص الضرر؟ وهل تملك الأدوات الكافية لمواجهة موجات التضخم والركود القادمة؟ الأكيد أن القادم سيتطلب قرارات حاسمة لا يمكن تأجيلها.

Share This Article