تعيش معتمدية بوعرقوب من ولاية نابل على وقع أزمة فلاحية خانقة، بعد الانتشار الكاسح للحشرة القرمزية، التي تهاجم بشكل مباشر غراسات التين الشوكي، مهددة أحد أبرز المحاصيل في الجهة ومصدر رزق مئات الفلاحين.
هذه الآفة، التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى خطر قومي، طالت هذه المرة أكثر من 800 هكتار من الأراضي المزروعة بنبات الهندي الأملس، وفق تقديرات الاتحاد المحلي للفلاحة والصيد البحري.
والحشرة القرمزية أو Dactylopius opuntiae هي حشرة صغيرة الحجم من فصيلة الحشرات القشرية، تُغطى أجسامها بمادة شمعية بيضاء وتُفرز سائلاً قرمزيًا عند سحقها.
وتتغذى هذه الحشرة على عصارة نبات التين الشوكي، وتتكاثر بسرعة، ما يؤدي إلى جفاف النبتة وذبولها ثم موتها في غضون أسابيع إذا لم يتم التدخل. ويُعتبر انتشارها من أبرز التهديدات التي عرفتها الزراعات البديلة في تونس، خصوصًا أنها لا تستهدف فقط الغراسات الإنتاجية، بل أيضًا الطوابي والسياجات النباتية التي تُستخدم للفصل بين الأراضي.
سببت الحشرة القرمزية خلال الموسمين الفلاحيين الماضيين خسائر فادحة في عدد من الولايات حيث فقد عدد كبير من الفلاحين صابة التين الشوكي بالكامل
وتُعد تجربة السنوات القليلة الماضية خير دليل على حجم التهديد؛ فقد سببت الحشرة القرمزية خلال الموسمين الفلاحيين الماضيين خسائر فادحة في عدد من الولايات على غرار القيروان، سيدي بوزيد، الكاف وزغوان، حيث فقد عدد كبير من الفلاحين صابة التين الشوكي بالكامل، ما عمّق حالة الفقر والهشاشة في المناطق الداخلية.
ورغم إقرار وزارة الفلاحة في 2023 استراتيجية وطنية لمقاومة هذه الآفة، فإن التنفيذ ظل حبيس التعقيدات البيروقراطية والتجاذبات الجهوية وضعف التنسيق.

في بوعرقوب، تبدو المأساة أكثر حدّة. وفي هذا الصدد، وصف رئيس الاتحاد المحلي للفلاحة والصيد البحري، سامي الهويدي، الوضع بـ”الكارثي”، مشيرًا إلى أن الحشرة “خرجت عن السيطرة” أمام غياب التدخل الفعلي من قبل السلطات الجهوية والمصالح الفلاحية، رغم إعلان تشكيل لجنة محلية منذ فترة، لم تنعقد إلى اليوم.
وقال الهويدي، في تصريح إذاعي، إن الفلاحين تُركوا لمصيرهم في مواجهة الخطر، وإن الجهات الرسمية تمارس “تكتمًا” غير مبرر بشأن آليات التدخل والميزانية المرصودة.
في بوعرقوب، تبدو المأساة أكثر حدّة. وفي هذا الصدد، وصف رئيس الاتحاد المحلي للفلاحة الوضع بـ”الكارثي” مشيرًا إلى أن الحشرة “خرجت عن السيطرة”
ووفقًا للهويدي، لم يتم إلى حد الساعة توزيع الأدوية اللازمة لمكافحة الحشرة بشكل عادل، بل أُسندت هذه المهمة إلى خلية الإرشاد الفلاحي دون أي توضيح، فيما لا تزال مناطق بأكملها، مثل بوسهم، برج حفيظ، بني وايل، المشروحة، الخروبة، الجديدة والعزارة، ترزح تحت وطأة الإصابة المتزايدة.
أما المقاول الذي تم التعاقد معه منذ أكثر من سنة لتنفيذ عمليات مقاومة، فلم يُحقق أي نتائج ملموسة، بل إن نطاق الإصابة اتسع بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وفق رئيس الاتحاد المحلي للفلاحة ببوعرقوب.
كما تساءل الهويدي عن مدى نجاعة الحلول التقنية المعلنة، مثل إطلاق الدعسوقات لمهاجمة الحشرة، مؤكدًا أن العملية شملت عددًا محدودًا من المواقع دون تقديم تقارير علمية توضح نتائجها أو مدى فعاليتها.
وقال إن بعض الفلاحين لم يحصلوا على أي دواء أو دعم إلا بعد احتجاجات حادة، بينما قوبلت مطالب الفلاحين الصغار في الغالب بالتجاهل، ما عمّق الشعور بالغبن واليأس، وفق روايته.

وفي تصعيد ميداني، نفذ عدد من فلاحي بوعرقوب وقفة احتجاجية، الأربعاء 2 جويلية 2025، للتنديد بما وصفوه بـ”اللامبالاة الرسمية” تجاه الكارثة التي تطال قوتهم اليومي، وللمطالبة بتدخل فوري وفعّال قبل فوات الأوان.
وعبّر الفلاحون عن استيائهم الشديد من تواصل انقطاع مياه الري منذ أسابيع، ما فاقم من خطورة الوضع، وساهم في تسريع وتيرة تلف الغراسات.
ورغم هذه الأوضاع، اكتفت السلطات الجهوية بعقد جلسة عمل يوم 1 جويلية 2025، بإشراف والية نابل هناء شوشاني، بحضور ممثلين عن الإدارات المعنية، لاستعراض “التدخلات المنجزة” وبحث سبل تطويق انتشار الحشرة.
وقد دعت الوالية، خلال الاجتماع، إلى مواصلة عمليات المداواة واقتلاع الطوابي المصابة وتكثيف التنسيق، مشيرة إلى تحقيق “نجاح نسبي” في حملات سابقة، كما أوصت بمواصلة مقاومة سوسة النخيل.
لكن الفلاحين في بوعرقوب يرون غير ذلك. “النجاح النسبي لا يروي الحقول ولا ينقذ المحاصيل”، يقول أحدهم. بينما يطالب آخرون بفتح تحقيق رسمي في كيفية صرف الميزانية المرصودة، وبمحاسبة المسؤولين عن ما يصفونه بـ”سوء التصرف والتقصير الفاضح”.
وبينما يستمر انتشار الحشرة القرمزية وتتفاقم الأضرار الصحية والزراعية، يترقب فلاحو بوعرقوب إجراءات ملموسة تنقذ موسمهم وتضع حدًا لأزمة باتت تتجاوز حدود المعتمدية.