وسط صمت رسمي مريب.. اختطاف ناشط تونسي ضمن سفينة حنظلة

“إذا كنتم تشاهدون هذا الفيديو، فهذا يعني أننا اعتُقلنا”… بهذه الكلمات، خاطب الناشط التونسي حاتم العويني العالم، في آخر تسجيل له من على متن سفينة “حنظلة”، قبل أن تُداهمها قوات الاحتلال الإسرائيلي وتقتاد جميع من كانوا على متنها إلى جهة مجهولة، في مشهد يشبه عمليات القرصنة، ولكن بغطاء عسكري ودولي مخزٍ.

حاتم العويني، النقابي والناشط السياسي التونسي، كان العربي الوحيد على ظهر السفينة، دون أن يحمل أي جنسية مزدوجة، ما يجعل مصيره أكثر غموضًا

العويني، النقابي والناشط السياسي التونسي، كان العربي الوحيد على ظهر السفينة، دون أن يحمل أي جنسية مزدوجة، ما يجعل مصيره أكثر غموضًا وسط مخاوف من تعرضه لمعاملة تمييزية من قِبل الاحتلال، بحسب ما أكدت زوجته الناشطة تركية الشايبي، التي أطلقت نداء استغاثة أمام السفارة الأمريكية في تونس، مؤكدة أن “حنظلة نجحت في كسر الصمت، حتى لو لم تصل إلى غزة”.

مهمة إنسانية تتحول إلى احتجاز قسري

سفينة “حنظلة”، التي كانت جزءًا من “أسطول الحرية”، انطلقت في مهمة إنسانية نحو غزة، تحمل على متنها 21 ناشطًا من 12 جنسية، من ضمنهم نواب، محامون، صحفيون، ونشطاء حقوقيون. كانت السفينة تنقل شحنة من حليب الأطفال، الطعام، الأدوية والحفاضات، موجهة مباشرة إلى سكان قطاع غزة الذين يعيشون تحت الحصار والمجاعة.

لكنها لم تصل، إذ اعترضتها البحرية الإسرائيلية على بعد نحو 40 ميلاً بحريًا من غزة، في المياه الدولية، وقامت بمصادرة الشحنة واعتقال جميع من كانوا على متنها. وقد أظهرت تسجيلات مصورة لحظات الاقتحام المسلح وقطع البث المباشر، في ما وصفته منظمات حقوقية بأنه “خرق فجّ للقانون الدولي للبحار، وقرصنة صريحة على مهمة مدنية”.

استعداد للإضراب.. ورفض تسلّم الطعام من الاحتلال

وقبيل الاقتحام، أعلن طاقم السفينة أنهم سيخوضون إضرابًا مفتوحًا عن الطعام في حال اعتراضهم أو اعتقالهم، مؤكدين أنهم لن يقبلوا بأي طعام يقدمه الاحتلال، في رسالة رمزية تؤكد رفضهم التام لأي شكل من أشكال “المساومة الأخلاقية” أو التطبيع الإنساني مع الجلاد.

دعوات للمحاسبة ومطالب بتحرّك رسمي تونسي

في تونس، تصاعدت الأصوات الحقوقية والسياسية مطالِبة الدولة باتخاذ موقف واضح والعمل على إطلاق سراح العويني، وعدم ترك مصيره رهين التجاذبات الدولية.

تصاعدت الأصوات الحقوقية والسياسية في تونس مطالِبة الدولة باتخاذ موقف واضح والعمل على إطلاق سراح العويني، وعدم ترك مصيره رهين التجاذبات الدولية

الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي دعا كل سلطات الدولة التونسية إلى “الضغط في كل الاتجاهات من أجل إطلاق سراح المناضل التونسي حاتم العويني من براثن الاحتلال”، معتبرًا أن أي صمت رسمي في هذا الملف “خيانة لأبناء تونس الأحرار”.

المنتدى الاجتماعي والرابطة الحقوقية: لا مبرر للصمت

من جهته، عبّر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن “غضبه وإدانته الشديدة” لما حدث، واعتبر أن اعتراض سفينة إنسانية في المياه الدولية يُعدّ جريمة مكتملة الأركان. وأكد المنتدى أن العويني “يمثل فخرًا لتونس وأنّ واجب الدولة اليوم هو حمايته وضمان عودته سالمًا”.

الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أدانت ما وصفته بـ”القرصنة البحرية”، واعتبرت أن اعتقال العويني وسائر رفاقه هو امتداد لنهج الاحتلال في خنق أي فعل تضامني، حتى وإن كان سلميًا ومدنيًا. ودعت الرابطة السلطات التونسية إلى التدخل الدبلوماسي الفوري وإلى التحرك القانوني دوليًا من أجل وقف هذا الانتهاك الفاضح.

 

اتحاد الشغل: الاحتلال لا يستهدف فقط غزة بل أيضًا أحرار العالم

البيان الصادر عن الاتحاد العام التونسي للشغل لم يكتفِ بإدانة الاعتداء، بل ذهب إلى ربطه بـ”جريمة أكبر تُرتكب يوميًا في غزة”، وهي “التجويع الممنهج”، مشيرًا إلى أن إسرائيل تحارب كل صوت يناصر الشعب الفلسطيني، سواء داخل القطاع أو خارجه.

سفينة اختُطفت.. أم رسالة عالمية حُوصرت بالسلاح؟

الوقائع التي أحاطت بسفينة “حنظلة” لا تقتصر على خرق القانون الدولي فقط، بل تكشف عن رغبة واضحة في خنق كل المبادرات الحرة الداعمة لغزة، حتى لو كانت محمّلة بالحليب لا السلاح، وبالكلمات لا بالصواريخ. وتعيد حادثة حنظلة إلى الأذهان ما وقع لسفن سابقة مثل “مادلين”، وتؤكد أن الاحتلال لا يميز بين مقاوم ومُسعف، ولا بين سياسي وناشط.

الوقائع التي أحاطت بسفينة “حنظلة” لا تقتصر على خرق القانون الدولي فقط، بل تكشف عن رغبة واضحة في خنق كل المبادرات الحرة الداعمة لغزة

لكن ما يميز هذه الرحلة تحديدًا، هو أن أحد أبنائها تونسي، خرج من أجل قضية عادلة، ولا يزال مصيره مجهولًا إلى لحظة كتابة هذا التقرير، فيما تلتزم الدولة التونسية إلى الآن صمتًا مشوبًا بالحذر.

Share This Article