“السيسي عدو الله”.. صرخة من شوارع تونس ضد التواطؤ المصري في حصار غزة

ليس شعارًا جديدًا، لكن وقعه هذه المرة كان أشد وأوضح. “لا إله إلا الله.. والسيسي عدو الله”، بهذه العبارة هتف الآلاف من التونسيين خلال مسيرة ضخمة جابت شوارع العاصمة، دعمًا لغزة وتنديدًا بما وصفوه بـ”التواطؤ المصري الممنهج مع العدوان الإسرائيلي”، بعد منع قافلة الصمود والمسيرة الدولية إلى غزة من دخول الأراضي المصرية، وما رافق ذلك من انتهاكات جسيمة ضد النشطاء القادمين من مختلف بقاع العالم.

المسيرة، التي دعت إليها مجموعات شبابية وتنسيقيات داعمة لفلسطين، رفعت شعارات قوية عبّرت عن حجم الغضب الشعبي من موقف السلطات المصرية، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي بات اسمه يتكرر في كل مناسبة احتجاجية على جرائم الاحتلال، لا بوصفه وسيطًا، بل كشريك في الحصار المفروض على غزة منذ سنوات طويلة.

انتهاكات في العلن و”خيانة” في الخفاء

جاءت الهبّة الشعبية في تونس بعد أيام من الجدل الذي أثارته قافلة الصمود المغاربية، التي انطلقت من تونس في التاسع من جويلية 2025 باتجاه معبر رفح، في إطار المسيرة العالمية إلى غزة، والتي كانت تضم نشطاء من تونس، الجزائر، المغرب، فرنسا، إيطاليا، جنوب إفريقيا ودول أخرى. لكن الرحلة سرعان ما تحوّلت إلى مواجهة مفتوحة مع الأجهزة الأمنية المصرية، التي منعت القافلة من الدخول، واحتجزت عددًا من المشاركين لساعات طويلة، وأهانت بعضهم، كما تسببت في ترحيل العشرات من مطار القاهرة قسرًا.

ووفق روايات متقاطعة لشهود عيان ومشاركين، تعرّض عدد من النشطاء الأوروبيين للاعتداء الجسدي، فيما مُنعت الوفود المغاربية من حتى الاقتراب من سيناء، في مشهد وصفه منظمو القافلة بأنه “امتداد لدور النظام المصري كحارس للبوابة الجنوبية للحصار الإسرائيلي على غزة”.

تونس لا تصمت

ردّ الشارع التونسي لم يتأخر. فمنذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، لم تتوقف التظاهرات والمسيرات الداعمة للقضية الفلسطينية، لكن منع قافلة الصمود مثّل لحظة فارقة فجّرت الغضب الشعبي من السياسات المصرية. فالهتاف باسم السيسي لم يكن معزولًا، بل جاء ضمن سياق احتجاجي متصاعد على الدور الإقليمي الذي تلعبه مصر، لا سيما عبر غلق معبر رفح أمام الجرحى والمساعدات الإنسانية، مقابل تسهيلات واضحة للاحتلال الإسرائيلي.

ولم يقتصر الغضب على الشعارات، بل رافقته بيانات من منظمات حقوقية تونسية وعربية، استنكرت ما وصفته بـ”الخذلان المصري”، مشيرة إلى أن التضييق على قوافل الدعم هو عمل يتناقض مع القانون الدولي الإنساني، ويجعل من النظام المصري طرفًا مشاركًا في الجريمة.

أسطول الصمود.. المغاربيون يعودون إلى البحر

رغم المنع والتضييق، لم تستسلم الحركات التضامنية. فقد أعلنت تنسيقية “أسطول الصمود المغاربي” أنها ستطلق قريبًا قوارب من موانئ تونسية وجزائرية ومغربية باتجاه غزة، في تحدٍّ جديد للحصار البحري، بمشاركة عدد من الناشطين والصحفيين والحقوقيين المغاربيين والدوليين. وهي خطوة تعيد إلى الأذهان تجارب أساطيل الحرية السابقة، وعلى رأسها أسطول “مرمرة” الذي هاجمته قوات الاحتلال في عرض البحر عام 2010 وقتلت فيه عددًا من المتضامنين.

تقول التنسيقية إن الهدف من هذا التحرك هو “كسر الحصار إعلاميًا وسياسيًا بالدرجة الأولى، وتسليط الضوء على تقاعس الأنظمة العربية، وفي مقدمتها النظام المصري، عن أداء أبسط أدوارها الإنسانية تجاه سكان القطاع”.

“تواطؤ مفضوح”.. ومقاومة لا تهدأ

في كل مرة تخرج فيها الجماهير إلى الشارع من أجل فلسطين، يعود السؤال نفسه ليطفو: أين الدول العربية؟ وأين مصر التي كانت تُلقّب تاريخيًا بـ”أمّ الدنيا” و”قلب العروبة النابض”؟ لكن في السنوات الأخيرة، تحوّلت القاهرة، في نظر كثير من النشطاء، من داعم إلى شريك صامت في الحصار، بل ومدافع عن السياسات الإسرائيلية في المحافل الدولية.

ورغم ذلك، تواصل قوى الشارع العربي، وعلى رأسها الشارع التونسي، فضح هذا التواطؤ، وتحويل الفعل التضامني من مجرد مشاعر إلى تحركات ميدانية، قوافل، واحتجاجات، وضغط سياسي.

لقد كان الشعار المرفوع في شوارع العاصمة التونسية هذا الأسبوع صادمًا، لكنه صريح، ويلخّص مشاعر آلاف العرب الذين يرون في تواطؤ الأنظمة جريمة موازية لقصف الاحتلال، بل أكثر خطورة أحيانًا، لأنها تكتسي شرعية كاذبة، وتُمارَس باسم “السيادة” و”أمن الحدود”.

وغزة، التي لم تعد فقط ساحة اشتباك عسكري، بل مسرحًا لحرب كونية بين منظومة استعمارية دولية وشعوب حرة، تواصل مقاومة الحصار، بالجوع والدم والصبر، بينما يراهن أعداؤها على خنقها من الداخل والخارج.

لكن من شوارع تونس، ومن موانئ شمال إفريقيا، ومن أصوات لا تزال تؤمن بأن الحق لا يُخنق، تتواصل رسائل الدعم، وتكبر الشعلة من جديد.

Share This Article