تتصاعد في تونس مؤشرات مقلقة عن تدهور الأوضاع داخل السجون ومراكز الإيقاف، وسط تكرار شهادات حول التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي، حسب منظمات حقوقية ومتابعين.
وتثير هذه الوقائع، التي باتت أكثر تواترًا في الآونة الأخيرة، مخاوف من تراجع خطير في احترام الضمانات القانونية والحقوق الأساسية للموقوفين والمساجين، وفق ما تؤكده تقارير حقوقية محلية ودولية.
اعتداء تحت أنظار المحامين.. “تعذيب” في مركز بباجة
في تطوّر خطير، كشف فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بباجة عن واقعة تعذيب تعرّض لها مواطن بمركز الاستمرار بالجهة، في الليلة الفاصلة بين 16 و17 جويلية 2025. الضحية، الذي تم الاعتداء عليه بوحشية من طرف أعوان أمن، نُقل إلى المستشفى الجهوي في حالة حرجة، وفق بيان الرابطة الصادر بتاريخ 18 جويلية.
الأخطر أن الاعتداء حصل في حضور محامين، أحدهم تم منعه من مباشرة مهامه ونيابة منوّبه، وتعرّض بدوره للهرسلة. وقد عبّر الفرع عن استنكاره الشديد لما وصفه بـ”الجريمة التي لا تسقط بالتقادم”، محذرًا من الانحراف الصارخ بحقوق الدفاع وما يمثّله من انتكاسة قانونية وإنسانية خطيرة.
“لم يرحموه”.. حازم عمارة يموت مقيّدًا بعد 3 عمليات قلب مفتوح
قضية الشاب حازم عمارة، البالغ من العمر 25 عامًا، تحوّلت إلى قضية رأي عام ونموذج للانتهاكات في مراكز الإيقاف التونسية. الشاب الذي يعاني من مرض السكري ومشاكل خطيرة بالقلب، أُوقف إثر خلاف بسيط في مقهى يعمل فيه، ورغم إسقاط الشكوى ضده ومناشدات والدته بإطلاق سراحه نظرًا لوضعه الصحي، ظلّ قيد الإيقاف إلى أن توفي يوم 9 جويلية 2025، بعد ثلاثة أسابيع فقط من إيداعه بسجن بلّي.
والدة حازم قالت في شهادة مؤلمة لموقع “نواة”: “وجدت وجهه أزرق، وعيناه متورمتان.. لم يُعطَ حتى الماء، ومات مقيّدًا في المستشفى”، مشيرة إلى تجاهل حالته الصحية رغم تقديم وثائق تثبت إعاقته وتاريخه الطبي الحرج.
منظمة “تقاطع من أجل الحقوق والحريات” وصفت وفاته بـ”مثال صارخ على الإهمال المؤدي إلى الوفاة”، مؤكدة أن حازم لم يُمكَّن من محاكمة عادلة، وتعرّض للحرمان من العلاج والدواء، في انتهاك فاضح للمعايير الدولية والمواثيق التي وقّعت عليها تونس.

غازي الشواشي.. جراحة سرية وموقوف يُقيّد في المستشفى
انتهاكات مشابهة طالت الموقوف السياسي البارز غازي الشواشي، الأمين العام السابق لحزب التيار الديمقراطي، حيث أعلن نجله أنه خضع لعملية جراحية على المعدة دون علم المحامين أو العائلة، وبقي مقيّد اليدين تحت الحراسة الأمنية في المستشفى.
الواقعة أثارت صدمة لدى الحقوقيين والسياسيين، الذين عبّروا عن تضامنهم مع كافة الموقوفين السياسيين، مستنكرين ما وصفوه بـ”التعامل اللا إنساني مع السجناء، حتى المرضى منهم”. زوجة الموقوف عصام الشابي بدورها كتبت: “في وطن يُربط فيه المريض بالأصفاد بدل أن يُربط بالأمل… تُغتال الرحمة باسم القانون”.
جمعية ضحايا التعذيب في جنيف أعادت التذكير بأن “نقل المساجين السياسيين بعيدًا عن عائلاتهم دون إعلام يُعد خرقًا صريحًا للقانون، ويؤكد سياسة التنكيل الممنهج”.
حتى في الزنزانة.. ممنوع من انتقاد الرئيس!
في حادثة أثارت سخرية ممزوجة بالغضب، كشف فرع الرابطة التونسية لحقوق الإنسان بقفصة عن إدانة أحد السجناء بستة أشهر سجنًا، لمجرد رفضه مشاهدة نشاط رئاسي في نشرة الأخبار المعروضة داخل زنزانته. ناظر الزنزانة رفع به تقريرًا، ليُحال على المحاكمة ويُدان بتهمة “المس بالأخلاق العامة”، بعد أن كان ملاحقًا بتهمة “نسبة أمر موحش لرئيس الجمهورية”.
المحامي عادل الصغيّر أوضح أن منوّبه “عبّر عن غضبه من ترحيله من إيطاليا وظنّ أن الرئيس التونسي يقف وراء القرار، فشتمه وطلب تغيير القناة”. واعتبر أن “الحكم تم تكييفه لتجنّب إعطاء بُعد سياسي للقضية”.
الرابطة وصفت ما جرى بـ”سياسة تكميم الأفواه التي وصلت حتى زنازين السجون”، محذرة من خطر هذا المسار على السلم الاجتماعي، وداعية إلى وقف الإحالات بناء على المرسوم 54 والفصل 67 من المجلة الجزائية.
اكتظاظ خانق وأوضاع مهينة: الوجه الحقيقي لسجون تونس
أرقام مفزعة كشفت عنها المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب في تقريرها الأخير الصادر يوم 25 جوان 2025. نسبة الاكتظاظ في بعض السجون التونسية تجاوزت 200%، بل بلغت في بعض الغرف 300%. البنية التحتية متداعية، الغذاء شحيح، والنظافة شبه منعدمة، في ظل غياب تام للرعاية الطبية.
المنظمة أكدت أن أكثر من 32 ألف سجين يقبعون حاليًا في سجون تونس، بينهم أطفال وقُصّر، وموقوفون دون محاكمة، ومرضى محرومون من العلاج. برنامج “سند” التابع لها قدّم الدعم لأكثر من 160 ضحية تعذيب، 12% منهم قُصّر، و44% تتراوح أعمارهم بين 26 و35 سنة، وهي فئة تمثل العمود الفقري للاقتصاد والمجتمع.
بين النصوص والممارسات: فجوة تتسع وشهادات تتزايد
رغم أن تونس صادقت على اتفاقية مناهضة التعذيب منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأقرّت قوانين وطنية صارمة مثل الفصل 101 مكرر من المجلة الجزائية، وخصّصت هيئات وقائية، أبرزها الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، فإن الواقع في مراكز الاحتجاز لا يزال ينضح بانتهاكات جسيمة.
الهيئة الوطنية شددت، بمناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، أن “الوقاية من التعذيب ليست شعارًا، بل التزام دستوري وقانوني، وعلى كل مؤسسات الدولة تحمّل مسؤولياتها”، مؤكدة أن “التعذيب جريمة لا تسقط بمرور الزمن”.
من جانبها، ذكّرت جمعية “تقاطع” بأن “ما يحصل اليوم من تعذيب وإهمال وسوء معاملة ليس سوى نتيجة مباشرة لثقافة الإفلات من العقاب، وانعدام الإرادة السياسية في الإنصاف والمحاسبة”.
هل تستعيد تونس وجهها الحقوقي قبل فوات الأوان؟
في ظل هذا السيل من الشهادات والوقائع، تتزايد المطالب الحقوقية بإجراء تحقيقات جادة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وتجنيب البلاد مزيدًا من التدهور الحقوقي. فالسجون، التي يُفترض أن تكون أماكن لإصلاح المخالفين، تحولت إلى مسارح للتعذيب والتنكيل وانتهاك الكرامة، في مشهد يُنذر بانفجار اجتماعي وسياسي إذا لم يُوضع له حدّ، وفق نشطاء حقوقيين.
فهل تستعيد تونس مسارها الحقوقي وتكرّس احترام الإنسان فوق كل اعتبار، أم تُمعن في مسار يبدو، يومًا بعد آخر، بعيدًا كل البعد عن شعارات الثورة؟