6 أشهر سجنًا لأنه رفض مشاهدة الرئيس.. تهمة ارتكاب “أمر موحش” تعود إلى الواجهة

لمجرد رفضه مشاهدة النشرة الإخبارية التي تتضمّن نشاط رئيس الجمهورية، حُكم على موقوف بالسجن المدني بقفصة بستة أشهر سجنًا، بتهمة “ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الدولة”، في واقعة أعادت تسليط الضوء على أحد أكثر فصول المجلة الجزائية إثارة للجدل في تونس: الفصل 67.

تفاصيل القصة جاءت على لسان فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بقفصة الذي أصدر بيانا، الجمعة 11 جويلية/يوليو 2025، أكد فيه أن أحد المساجين أُحيل على أنظار الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بقفصة بعد أن عبّر، علنًا، داخل زنزانته، عن امتعاضه من بثّ صور رئيس الدولة خلال شريط الأخبار. 

وبحسب رواية الرابطة، لم يتجاوز السجين حدود الامتعاض، لكن “ناظر الزنزانة” أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ”الكبران”، قرر تحرير عريضة ورفعها إلى إدارة السجن، التي بدورها فتحت بحثًا عدليًا انتهى بإحالته موقوفًا إلى القضاء، ثم صدور حكم بسجنه.

رابطة حقوق الإنسان: سياسة تكميم الأفواه التي لم تَعُد تكتفي بتضييق الخناق على الصحفيين والنشطاء والمعارضين في الفضاء العام، بل تسلّلت إلى الزنازين

والمفارقة، كما أشارت الرابطة، أن هذا السجين سبق أن صدر في شأنه حكم بعدم سماع الدعوى في القضية الأصلية التي أُودع بسببها، ما يعني أنه أصبح اليوم سجينًا فقط لأنه لم يشاهد النشرة، أو بالأحرى، لأنه لم يبدِ الاهتمام اللازم بالخطاب الرسمي.

الرابطة عبّرت عن استنكارها الشديد لما اعتبرته “سياسة تكميم الأفواه التي لم تَعُد تكتفي بتضييق الخناق على الصحفيين والنشطاء والمعارضين في الفضاء العام، بل تسلّلت إلى الزنازين”، مندّدة بما سمّته “انخراط القضاء والنيابة العمومية في قمع الحريات عبر التوسع في استعمال نصوص قانونية زجرية تجاوزها الزمن، على غرار الفصل 67 من المجلة الجزائية والمرسوم 54”.

ولئن بدت الحادثة عبثية في ظاهرها، فإنها تسلط الضوء على استخدام متكرر ومثير للجدل لتهمة “ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الدولة”، التي أُعيد تفعيلها خلال السنوات الأخيرة في أكثر من مناسبة ضد فنانين ونشطاء ومدونين، من بينهم الشاب رشاد طمبورة، الذي أُوقف في صيف 2022 لمجرد رسمه غرافيتي ينتقد فيه الرئيس، ثم حوكم على أساس الفصل نفسه.

وينص الفصل 67 من المجلة الجزائية، الذي تم تنقيحه سنة 1956، على أن “يعاقب بالسجن مدّة 3 أعوام وبخطية قدرها مائتان وأربعون دينارًا أو بإحدى العقوبتين فقط كل من يرتكب أمرًا موحشًا ضد رئيس الدولة”. 

وتعود جذور هذا الفصل إلى الحقبة الاستعمارية، حين كان النص الأصلي، الصادر سنة 1913، يتحدث عن حماية “الأمير أو أحد أفراد عائلته”، قبل أن يُكيّف لاحقًا لحماية رئيس الدولة بعد الاستقلال.

وقد سبق للعديد من منظمات المجتمع المدني أن دعت إلى إلغاء هذا الفصل، باعتباره فضفاضًا، يفتقر إلى تعريف دقيق لعبارة “أمر موحش”، ويُستخدم كأداة لترهيب المخالفين والمعارضين، في تنافٍ مع روح دستور 2022 الذي يُفترض أن يضمن حرية التعبير كحق لا يجوز المساس به، وفق تقديرها.

سبق للعديد من منظمات المجتمع المدني أن دعت إلى إلغاء الفصل 67 من المجلة الجزائية باعتباره فضفاضًا، يفتقر إلى تعريف دقيق لعبارة “أمر موحش”، ويُستخدم كأداة لترهيب المخالفين والمعارضين

وتتزامن هذه القضية الجديدة مع تقارير متزايدة تحذّر من تدهور أوضاع السجون في تونس. إذ أكدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في تقريرها السنوي، أن نسبة الاكتظاظ في بعض السجون تجاوزت 200%، بل بلغت 300% في بعض الغرف، في ظل ضعف البنية التحتية، وسوء التغذية والرعاية الصحية، وتفشي العنف داخل الوحدات السجنية.

من جهته، سبق لرئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، فتحي الجراي، أن وصف هذه الأرقام بـ”المفزعة”، مشيرًا إلى أن عدد المساجين ارتفع من حوالي 22 ألفًا في 2018 إلى أكثر من 32 ألفًا في الوقت الراهن، أي بزيادة تفوق 10 آلاف سجين خلال خمس سنوات فقط.

ورغم هذه الظروف القاسية، يرى مراقبون أن السلطة القضائية تواصل إصدار أحكام سالبة للحرية، حتى في قضايا لا تنطوي على عنف أو تهديد للأمن العام، بل تتعلق أساسًا بحرية التعبير والمواقف الشخصية.

وتبقى تهمة “ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الدولة” محل جدل متجدد في تونس، خاصة مع تواتر الإحالات التي تطال معارضين ونشطاء وسجناء، في وقت تشهد فيه المنظومة السجنية أوضاعًا متدهورة وأرقامًا قياسية في الاكتظاظ.

Share This Article