الصرف الصحي في تونس.. بنية تحتية مهترئة وتفاوت صارخ بين الجهات

رغم مرور أكثر من خمسة عقود على تأسيس الديوان الوطني للتطهير، لا تزال منظومة الصرف الصحي في تونس تعاني من تهالك واضح، وغياب لافت عن عدد كبير من المناطق الداخلية والقرى، ما جعلها من أبرز أوجه التفاوت التنموي في البلاد. 

ووفقًا للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإن نحو 38.1% من السكان لا يزالون محرومين من حقهم في خدمات الصرف الصحي، فيما يقضي حوالي 250 ألف تونسي حاجتهم في العراء، في مشهد لا ينسجم مع أدنى معايير الحق في بيئة سليمة.

ورغم ما تحقق من مكاسب تشريعية في العقود الأخيرة، فإن الواقع الميداني لا يزال بعيدًا عن الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا عن الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو للوصول الشامل والعادل إلى المياه وخدمات الصرف الصحي دون تمييز.

محطات بلا صيانة.. وتفريغ مباشر في الطبيعة

تشير بيانات الديوان الوطني للتطهير لسنة 2021 إلى وجود 125 محطة تطهير مربوطة بشبكات صرف المياه، لكنها تعاني ضعفًا في الصيانة وطاقة استيعاب محدودة، ما يجعلها عاجزة عن معالجة كميات المياه المستعملة التي تجاوزت 290 مليون متر مكعب في السنة. 

ووفقًا لتقرير المنتدى، فإن حوالي 24.7 مليون متر مكعب من هذه المياه تُفرغ مباشرة في الطبيعة دون معالجة، في الأودية أو السباخ أو البحر، وهو ما أدى إلى تلوث بيئي خطير وغلق عدد من الشواطئ أمام السباحة.

احتجاجات بيئية تتصاعد في ظل غياب شبكات التطهير

وتتنامى في السنوات الأخيرة موجة من التحركات الاحتجاجية في عدد من المناطق الداخلية، حيث لا يزال غياب شبكات الصرف الصحي يمثل أحد أبرز مظاهر التفاوت الجهوي والتهميش التنموي. فحرمان السكان من أبسط الحقوق البيئية والصحية، مثل ربط الأحياء بشبكة التطهير، دفع العديد منهم إلى النزول للشارع للمطالبة بإنهاء هذا التمييز.

في مدينة الرديف من ولاية قفصة، مثلًا، ما انفك الأهالي ينظمون وقفات احتجاجية للمطالبة بالإسراع في إنجاز محطة تطهير مشتركة مع مدينة أم العرايس، بعد سنوات من التعطيل، رافعين لافتات تتضمن صورًا توثق الوضع الكارثي الناتج عن تدفق المياه المستعملة في شوارع المدينة، ومتهمين السلطات بالتقاعس رغم تفاقم الأضرار البيئية والصحية، حسب تقديرهم.

ووفق ما أكده المنتدى في بيان صادر بتاريخ 30 ديسمبر 2023، لا يتجاوز الربط بشبكة التطهير في الرديف 35%، ما جعل عديد الأحياء عرضة لتسربات خطيرة تنذر بعواقب وبائية، فضلًا عن الروائح الكريهة ومظاهر التلوث التي تقوّض الحياة اليومية وتجهض أي أفق لتنمية محلية مستدامة.

وفي هذا السياق، تنشط منظمات حقوقية وبيئية لمناصرة سكان المناطق المتضررة، في محاولة للضغط على السلطات لإقرار سياسات أكثر عدالة وشفافية في ربط المناطق الريفية بشبكات التطهير.

مشاريع نموذجية.. لكنها محدودة الأثر

في المقابل، يُسجَّل نجاح بعض المشاريع النموذجية، في علاقة بمنظومة الصرف الصحي في تونس، مثل مشروع “رواد” شمال العاصمة، الذي أنجز بتمويل من البنك الدولي وصندوق البيئة العالمية، بكلفة بلغت نحو 60.6 مليون دولار. وقد ساهم هذا المشروع في تحويل شاطئ ملوث إلى منطقة صالحة للسباحة منذ سنة 2020، بعدما أُنشئت أنابيب تحت البحر لنقل المياه المُعالجة لمسافة 6 كلم قبالة الساحل.

ووفقًا لبيانات البنك الدولي، أظهرت العينات التي أُخذت من مياه البحر في تلك المنطقة أن 96% منها امتثلت لمعايير السلامة من حيث البكتيريا، و97% من حيث المنظفات. كما استُعملت المياه المُعالجة في ريّ أراضٍ فلاحية بمنطقة “برج الطويل”، في خطوة ساهمت في التخفيف من أزمة شح المياه المتفاقمة في تونس، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد 367 مترًا مكعبًا سنويًا، بحسب إحصائيات سنة 2017.

معالجة لا تطابق المعايير.. وهدرٌ للموارد

رغم تطور عدد محطات التطهير من 5 فقط سنة 1975 إلى 125 سنة 2021، إلا أن نوعية المعالجة لا تزال دون المستوى المطلوب. إذ تؤكد تقارير وزارة الفلاحة أن نسبة إعادة استعمال المياه المعالجة لا تتجاوز 4% فقط، بسبب عدم مطابقتها للمواصفات الفنية المطلوبة في القطاع الفلاحي، ما يؤدي إلى هدر أكثر من 270 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، أي ما يعادل نصف طاقة سد سيدي سالم، وفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

خصخصة زاحفة بدفع خارجي

منذ نهاية التسعينات، بدأ البنك الدولي بدفع تونس نحو خصخصة تدريجية لخدمات الصرف الصحي. ووفقًا لتقرير معهد ترانزناشيونال (TNI)، فإن تمويلات البنك ترافقت مع شروط تهدف إلى فتح القطاع أمام الشركات الخاصة، بدءًا من تجربة “اللزمة” الأولى مع شركة SEGOR الفرنسية في تطاوين، وصولًا إلى الشراكة الموقعة سنة 2023 مع شركة SUEZ الفرنسية.

وتموَّلت هذه الشراكة عبر قرض قيمته 126 مليون دولار، وتهدف إلى تطوير 15 محطة معالجة في عدة محافظات. لكن معهد TNI يعتبر أن هذه السياسة لا تستهدف تقوية الديوان الوطني للتطهير كمؤسسة عمومية، بل تهدف إلى تمكين القطاع الخاص، خاصة الأجنبي، من التحكم في الخدمات الأساسية تدريجيًا.

من الكمالية إلى الضرورة.. متى تتحول الرؤية؟

يبقى التحدي الأكبر هو تغيير النظرة الرسمية للصرف الصحي من “كمالية” إلى حق أساسي وضرورة حياتية، وفق ما يراه معهد TNI. فالمعضلة في تونس لم تعد فقط في ضعف الإمكانيات، بل في غياب الإرادة السياسية لاعتماد سياسة متكاملة تُنصف المناطق الداخلية، وتحمي البيئة، وتضمن العدالة المائية.

Share This Article