بين مديونية متفاقمة وتزايد تذمر الحرفاء.. “الستاغ” في قلب أزمة متعددة الأوجه

تشهد الشركة التونسية للكهرباء والغاز منذ سنوات وضعًا ماليًا صعبًا يتمثل في تراكم الديون وتسجيل عجز على مستوى السيولة، بالتوازي مع تصاعد التشكيات من قبل المواطنين بخصوص الفواتير وخدمات الاستخلاص والانقطاعات المتكررة. وتأتي هذه التطوّرات في وقت تتعالى فيه الدعوات لإصلاح المؤسسة، وسط تحرّكات نقابية، ومطالب اجتماعية، وانتقادات لخيارات التصرف.

وفي هذا السياق، نشر الأستاذ الجامعي المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي تدوينة انتقد فيها أداء الشركة، معتبرًا أنها انحرفت عن دورها كمرفق عمومي اجتماعي، لتتحول إلى عبء مالي ونفسي على المواطن التونسي، حسب تقديره. 

وتحدّث الشكندالي عن ممارسات اعتبرها غير مقبولة، كقطع الكهرباء أو الغاز دون سابق إعلام، أحيانًا في غياب الفاتورة، ما يضع المواطن في وضعية مفاجئة ودون إمكانية التدارك. 

رضا الشكندالي: أزمة “الستاغ” لا تتعلق فقط بالجانب التقني أو الإداري، بل تعكس خللًا أعمق في منظومة الحوكمة، خاصة في ظل امتناع الدولة نفسها عن سداد مستحقاتها تجاه الشركة

كما أشار إلى ضعف التواصل داخل مقرات الشركة، وانعدام ثقافة الاعتذار لدى عدد من الأعوان، ما يكرّس شعورًا عامًّا باللامبالاة تجاه الحريف، وفق تصوره.

وأكد الشكندالي أن الأزمة لا تتعلق فقط بالجانب التقني أو الإداري، بل تعكس خللًا أعمق في منظومة الحوكمة، خاصة في ظل امتناع الدولة نفسها عن سداد مستحقاتها تجاه الشركة، ما يفاقم من عجزها. 

كما أشار إلى الامتيازات التي يتمتع بها بعض الموظفين، معتبرًا أنها أصبحت غير متناسبة مع الإمكانيات الحالية للمؤسسة. 

وطرح في ختام تدوينته خيارات إصلاح هيكلي، قد تشمل مراجعة منظومة الامتيازات أو فتح الباب أمام شراكات جديدة، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي يكرّس تمييزًا غير عادل بين المواطنين، وفق تقديره.

وتتقاطع هذه الانتقادات مع ما ورد في التقرير السنوي الـ29 لسنة 2023 للهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية، الذي كشف عن وضع مالي صعب تمر به الشركة. فقد بلغت جملة ديون الستاغ سنة 2019 نحو 12.533,1 مليون دينار، من بينها 7.180,3 مليون دينار ديون طويلة المدى، إضافة إلى عجز متواصل في الخزينة (1210 مليون دينار سلبي سنة 2019)، وعجز في المال المتداول (حوالي 2.9 مليار دينار سلبي).

وأشارت الهيئة إلى أن هذه الصعوبات دفعت الشركة إلى اللجوء الآلي إلى الاقتراض، خصوصًا بالعملة الصعبة، من أجل تأمين شراءات الغاز الطبيعي، وخاصة من الجزائر. وبلغت قيمة هذه القروض قرابة مليار دينار منتصف سنة 2020.

 كما ارتفعت المستحقات غير المستخلصة من الحرفاء إلى أكثر من 2 مليار دينار سنة 2020، معظمها متخلدة بذمة مؤسسات الدولة والقطاع الصناعي، ما يزيد من الضغط على التوازنات المالية للمؤسسة.

(المصدر: التقرير الـ29 للهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية)

من جانبها، عبّرت الجامعة العامة للكهرباء والغاز عن قلقها من تواصل ما وصفته بسياسة التجاهل من قبل سلطة الإشراف، معلنة برمجة إضراب عام يوم الخميس 17 جويلية الجاري بكامل مقرات الشركة، في صورة عدم الاستجابة لجملة من المطالب.

وصرّح كاتب عام الجامعة، سليم البوزيدي، بأن الأعوان يعملون في ظروف مناخية وتقنية معقدة، مؤكدًا تسجيل 14 حالة وفاة في صفوفهم منذ سنة 2021، ومشيرًا إلى غياب تفاعل جدي مع المطالب المتكررة المتعلقة بتحسين ظروف العمل وتطبيق محاضر الجلسات السابقة.

وأوضح البوزيدي، في تصريح إعلامي، أن الإضراب المنتظر يهدف إلى الدفع نحو حوار فعلي يفضي إلى حلول ملموسة، معتبرًا أن الأزمة التي تمر بها الشركة تتطلب مراجعة شاملة للخيارات الاستراتيجية، وفي مقدمتها إشراك الستاغ في مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.

من جانبه، اعتبر إلياس بن عمار، عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز، أن هناك توجّهًا لتقليص دور المؤسسة العمومية في مجال الطاقة، من خلال تمديد عقود اللزمات مع المستثمرين الخواص وتهميش الستاغ في مشاريع الطاقات المتجددة، وهو ما قد يكلّفها خسائر تُقدّر بـ700 مليون دينار في السنوات القادمة، وفق تقديره.

كما دعا بن عمار إلى صرف مستحقات الأعوان العالقة، من بينها منحة الاقتصاد في التصرف لسنة 2020، وتطبيق محضر جلسة 28 أفريل 2025، إضافة إلى إدماج الزيادات في الأجور لسنوات 2023 و2024 و2025 في الأجر الأساسي، وتفعيل شبكة الأجور المنظمة لدرجات الأقدمية ومنشور الترقيات بالخبرة.

وأشار، في تصريح إعلامي، إلى أنّ المؤسسة تواجه نزيفًا في الموارد البشرية، مع تسجيل هجرة عدد من الكفاءات والإطارات والتقنيين نحو الخارج، ما يهدد التوازن الداخلي للمؤسسة وقدرتها التشغيلية على المدى المتوسط.

وفي خضم هذه الأزمة المركّبة، التي تتقاطع فيها العوامل المالية والهيكلية والاجتماعية، تبدو “الستاغ” أمام منعطف حاسم، وفق المراقبين الذين يرون أنّه إما أن تُفتح بوابة إصلاحات حوكمة حقيقية توازن بين استمرارية المرفق العمومي وحقوق مختلف الأطراف، أو تستمرّ الأزمة في التعمّق، على حساب دافعي الضرائب وجودة الخدمات العمومية.

Share This Article