في مدينة لطالما اختُزلت في الحوض المنجمي، لكنّها حملت على أكتافها مشعل الاحتجاج، التأمت، يوم الأربعاء 2 جويلية 2025، جلسة استثنائية بمقر ولاية قفصة، خُصصت للنظر في الأوضاع التنموية والاجتماعية بمدينة الرديف.
جلسة دامت أكثر من سبع ساعات وجمعت أكثر من 50 ممثلًا عن الإدارات الجهوية والمركزية ومنظمات المجتمع المدني، وانتهت بقائمة طويلة من “الوعود”، في وقت تواصل فيه المدينة غليانها الاجتماعي، بقيادة حراك “يزينا”.
حراكٌ لم يتأخر في الردّ على مخرجات الجلسة، مؤكدًا في بيان له أن “الرديف لا تنتظر وعودًا بل تنتزع حقوقًا”، وموضحًا أن كل ما قُدّم من إجراءات “لن يُعتدّ به ما لم يُترجم إلى إنجازات ملموسة على الأرض”، حسب تعبيره.
سنوات من التهميش.. وغضب بلغ ذروته
ليست هذه الجلسة إلا فصلاً جديدًا من سلسلة محاولات السلطة لإطفاء غضب متراكم، فجّرته أزمة العطش خلال هذه الصائفة، وأعاد إحياء مطالب تنموية قديمة لطالما وُضعت في أدراج الإدارات.
منذ أشهر، عاد صوت الرديف إلى الشارع بصيحات تعبّر عن واقع خانق.. وأمام الصمت الرسمي اختار أن يرفع منسوب الضغط محذرًا من “انفجار اجتماعي”
منذ أشهر، عاد صوت الرديف إلى الشارع، بصيحات تعبّر عن واقع خانق: ماء مقطوع، شبكة صرف متهالكة، مستشفى يفتقر إلى الحدّ الأدنى من الموارد، شباب بلا شغل ومشاريع معطلة.. وأمام الصمت الرسمي، اختار حراك “يزينا” أن يرفع منسوب الضغط، محذرًا من “انفجار اجتماعي” إن لم تتغير قواعد اللعبة.
جلسة من سبع ساعات.. والنتيجة: “وعود مؤجلة”
جلسة 2 جويلية جمعت ممثلين عن قطاعات حيوية مثل الصوناد، الصحة، التعليم، النقل، الفلاحة، شركة فسفاط قفصة، وصندوق تنمية المناطق المنجمية، برعاية من والي الجهة، وتحت أنظار مكونات المجتمع المدني، في مقدمتها حراك “يزينا” والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وحظي الماء، باعتباره العنوان الأبرز للأزمة، بحصة الأسد من الجلسة. وبين تقارير وتبريرات، أُعلن عن خطة لتدعيم الشبكة الداخلية بمشروع قيمته 9 مليارات، وضخ يومي من آبار شركة الفسفاط لـ12 ساعة متواصلة، وتركيز مضخات إضافية وربط أحياء جديدة بالخزانات. كما تعهدت الصوناد بأن يكون “هذا الصيف هو الأخير من دون ماء في الرديف”، وفق ما جاء في بلاغ منشور على الصفحة الرسمية لولاية قفصة.
أما في قطاع الصحة، فقد أعيد طرح مشاريع قديمة كتحويل المستشفى المحلي إلى جهوي من صنف “ب”، واستكمال مركز تصفية الدم، وتوفير بعض التحاليل الأساسية، إلى جانب محاولات لجلب أطباء اختصاص، وسط اعتراف رسمي بأن “أزمة الأطباء وطنية”، كما جاء على لسان الوالي.
وفي التشغيل، تم الإعلان عن تنظيم مناظرة قريبة لانتداب أكثر من 800 عامل بشركة فسفاط قفصة، مع وعود بمناظرات سنوية حتى 2030. كما تم فتح خطوط تمويل جديدة لأصحاب المشاريع الصغرى، وخاصة حاملي الإعاقة وأصحاب الدفاتر الاجتماعية، إلى جانب إطلاق منصة رقمية للترشح لبرامج التمويل.
الوعود طالت أيضًا قطاعات النقل والتعليم والرياضة والفلاحة، من توفير حافلات جديدة، إلى صيانة المدارس، وإعادة تعشيب الملاعب، وحفر آبار فلاحية جديدة في مناطق مثل السقدود 2 والعضلة، مع التعهد بإعادة هيكلة المجامع المائية وتسوية ديونها.
حراك “يزينا” يسجل.. ولا ينسى
ورغم كثافة التعهدات، يظل الموقف في الشارع مختلفًا. ففي بيان أعقب الجلسة مباشرة، أكّد حراك “يزينا” أنه يتابع كل نقطة “لكن دون تعليق آمال كبيرة على الوعود”، وأنه “لا صوت يعلو فوق صوت النضال”، مشددًا على أن أي إجراء غير قابل للقياس أو غير مرتبط بآجال تنفيذ واضحة، لن يُنظر إليه بجدية.
حذّر الحراك من محاولات امتصاص الغضب الشعبي عبر جرعات كلامية، معتبرًا أن الضغط السلمي سيستمرّ حتى تُحقق المطالب الأساسية
وحذّر الحراك من محاولات امتصاص الغضب الشعبي عبر جرعات كلامية، معتبرًا أن الضغط السلمي سيستمرّ حتى تُحقق المطالب الأساسية، وعلى رأسها الماء، الصحة، التشغيل، والكرامة.
هل تتغيّر المعادلة؟
يبقى السؤال المركزي اليوم: هل تستوعب الدولة أخيرًا الدرس من الرديف؟ وهل تتحول التعهدات الورقية إلى مشاريع قائمة، تضع حدًا لمسار التهميش الذي عمر لعقود؟ أم أننا أمام فصل جديد من “تسكين الغضب” لا أكثر؟
الإجابة، كما يكررها النشطاء المحليون، لا تأتي من بلاغات الولاية ولا من تصريحات المسؤولين، بل من الشارع.. ومن الصنابير، والمدارس، والمستشفى، ومن رائحة الوادي إن خفّت، ومن البطالة إن تراجعت.. وعين الحراك الشعبي رقيبة.