في ظل عجز الميزانية.. تونس تباشر تحويل أموال الحسابات البنكية غير النشطة لإسعاف خزينتها

في خطوة تندرج ضمن محاولات تعبئة الموارد المالية لمواجهة عجز الميزانية، شرعت الدولة التونسية بداية من الثلاثاء 1 جويلية 2025، في تطبيق إجراء جديد يقضي بتحويل أرصدة الحسابات البنكية غير النشطة منذ 15 سنة إلى خزينة الدولة، وذلك بموجب الفصل 43 من قانون المالية لسنة 2025.

ويأتي هذا القرار في وقت تشهد فيه المالية العمومية ضغوطًا متزايدة، دفعت الحكومة سابقًا إلى الاقتراض المباشر من البنك المركزي التونسي والبنوك المحلية، وسط انتقادات بخصوص استدامة هذا التمشي وتداعياته على السوق المالية في تونس.

الإجراء الذي يشرف على تنفيذه البنك المركزي التونسي، يستهدف إعادة هيكلة الأموال الراكدة في المنظومة البنكية، وسط متابعة من مصالح الجباية لتطبيق الأحكام القانونية في التصريح والتحويل، تحت إشراف الإدارة العامة للأداءات، وفق ما ينص عليه قانون المالية لسنة 2025.

إجراء قانوني واضح المعالم

في تعليقه على الإجراء، أكد الأستاذ الجامعي المختص في الاقتصاد، رضا الشكندالي، أن الفصل 43 من قانون المالية لسنة 2025 ينصّ بوضوح على التزام البنوك والمؤسسات المالية بالتصريح بالمبالغ المرصودة بالحسابات الجارية، والإيداع، والدفع، والودائع الاستثمارية، والادخار، وغيرها من الحسابات التي لم تُسجَّل فيها أي عملية مالية أو مطالبة قانونية لمدة 15 سنة، مع تحويلها إلى حساب الخزينة العامة المفتوح لدى البنك المركزي التونسي.

وأوضح الشكندالي، في تصريح إذاعي، أنّ البنوك مطالَبة بإعلام الحريف المعني بأي وسيلة تترك أثرًا كتابيًا، بالإضافة إلى نشر قائمة بالأسماء في الرائد الرسمي للإعلانات القانونية، داعيًا المواطنين إلى متابعة مستجدات حساباتهم لتفادي ضياع حقوقهم.

(الفصل 43 من قانون المالية لسنة 2025)

ما هو الحساب البنكي غير النشط؟

يصنّف الحساب البنكي على أنّه “غير نشط” أو “متروك” عندما لا يشهد أي حركة مالية أو مطالبة قانونية طيلة 15 عامًا متواصلة. ويشمل الإجراء الحسابات بالدينار أو بالعملات الأجنبية، بما في ذلك الحسابات الجارية، وحسابات الادخار، والحسابات لأجل، وحسابات الدفع.

وتشير تقديرات خبراء في القطاع البنكي إلى أن عدد هذه الحسابات في تونس يفوق 400 ألف حساب، دون توفّر إحصائيات رسمية دقيقة إلى حدّ الآن حول القيمة المالية الإجمالية للأرصدة المعنية.

يصنّف الحساب البنكي على أنّه “غير نشط” أو “متروك” عندما لا يشهد أي حركة مالية أو مطالبة قانونية طيلة 15 عامًا متواصلة وفق قانون مالية 2025

وللإشارة فقد نصّ قانون المالية لسنة 2025، على ضرورة إعلام الحرفاء قبل يوم 30 أفريل المنقضي بأي وسيلة قانونية، ونشر الأسماء بالرائد الرسمي. كما تم منح الحرفاء أجلًا أقصاه 30 جوان لتسوية وضعية حساباتهم، قبل أن تُحوّل الأرصدة فعليًا إلى خزينة الدولة بداية من 1 جويلية.

إمكانية الاسترجاع مضمونة

رغم الجدل الذي أثارته هذه الخطوة، يتيح القانون لأصحاب الحسابات أو ورثتهم الحق في استرجاع الأموال المحوّلة، في أجل أقصاه 15 سنة من تاريخ التحويل، وذلك بعد تقديم مطلب كتابي معلّل للجنة قارة بوزارة المالية، التي تتولى البتّ في المطالب وتُلزم الإدارة بالتنفيذ خلال 6 أشهر، وفق ما نصّ عليه الفصل 44 من قانون المالية.

(الفصل 44 من قانون المالية لسنة 2025)

رأي منظمة إرشاد المستهلك

وفي تعليقه على ذلك، اعتبر رئيس منظمة إرشاد المستهلك لطفي الرياحي أن الإجراء له ما يبرره، خاصة في الحالات التي تتعلق بحرفاء تُوفّوا دون أن يطالب ورثتهم بحساباتهم، مما يجعلها عرضة لتراكم الفوائض البنكية غير المبررة، وفق تقديره. 

منظمة إرشاد المستهلك: تحويل هذه الأرصدة إلى خزينة الدولة أكثر عدالة من بقائها تحت تصرّف البنوك دون وجه حق

وقال، في تصريح إذاعي سابق، إنّ تحويل هذه الأرصدة إلى خزينة الدولة أكثر عدالة من بقائها تحت تصرّف البنوك دون وجه حق، حسب رأيه.

نحو اعتماد آلية سنوية

ومن جانبه، أوضح الخبير البنكي سفيان الوريمي أن هذا الإجراء سيتحوّل إلى آلية سنوية تُطبّق نهاية كل سنة مالية، مؤكدًا أن البنوك ليست صاحبة القرار، بل يقتصر دورها على تنفيذ القانون بعد إعلام الحرفاء.

ودعا الوريمي، في تصريح إذاعي، المواطنين الذين تلقوا إشعارات من بنوكهم إلى عدم تجاهلها، مشيرًا إلى أن البعض قد يخلط بينها وبين مطالب خلاص، في حين أنها إشعارات قانونية تضمن لهم حق التصرف في أرصدتهم.

رقابة مالية مشددة

ينصّ الفصل 45 من قانون المالية على تمكين مصالح المراقبة الجبائية من الاطلاع الكامل على الوثائق والمعطيات البنكية المتعلقة بالحسابات غير النشطة، دون أن يُشكّل السر المهني أو البنكي مانعًا في وجه أعمال الرقابة.

(الفصل 45 من قانون المالية لسنة 2025)

في وقت تُكافح فيه الدولة لاحتواء عجزها المالي وتأمين موارد إضافية دون اللجوء مجددًا إلى الاقتراض، يُمثل تفعيل إجراء تحويل أموال الحسابات غير النشطة إلى خزينة الدولة إحدى الأدوات القانونية التي تراهن عليها السلطات لتحريك الأموال الراكدة.

تراهن الدولة على الإجراء المتعلق بتحويل الحسابات غير النشطة إلى خزينتها من أجل إسعاف ميزانيتها، خاصة وقد استنزفت الخيارات البديلة السابقة على غرار الاقتراض المباشر من البنك المركزي التونسي أو من البنوك المحلية. 

وبين من يعتبر الخطوة تنظيمًا لموارد منسية، ومن يخشى من ضبابية التطبيق أو المساس بالملكية الخاصة، تبقى الشفافية وسهولة النفاذ إلى المعلومة، إضافة إلى احترام الآجال القانونية، عناصر حاسمة لضمان نجاح هذا الإجراء دون المساس بحقوق المواطنين.

Share This Article