بين الرمال والماء، هناك حدود جديدة لا تفرضها الطبيعة، بل الأسعار. في سواحل كانت توصف بـ”الفضاء المشترك”، باتت المظلات والكراسي والبيوت الخشبية تحاصر البحر، ويُطلب من الزائر أن يدفع مقابل الجلوس، أو أن يواصل سيره بحثًا عن بقعة متاحة.
ما يُسمّى بالإشغال الوقتي تحوّل تدريجيًا إلى خوصصة واقعية، مع مشاريع مثل “كوكو بيتش” التي تغزو الشواطئ باسم الاستثمار، وتواجه في المقابل غضب المواطنين والبيئيين بسبب تكرار الخروقات وتعديات على الملك العمومي البحري.

أكثر من 1200 مطلب لاستغلال الشواطئ
وسبق أن أفاد مدير عام الوكالة الوطنية لحماية وتهيئة الشريط الساحلي، مهدي بلحاج، في بداية هذه الصائفة، بأن الوكالة تلقت أكثر من 1200 مطلب بخصوص الحصول على تراخيص للإشغال الوقتي للشواطئ هذا الموسم، مضيفًا أن لجنة استشارية بصدد دراسة هذه المطالب، وقد تم فعليًا إمضاء عدد من التراخيص في حين لا تزال أخرى قيد التقييم.
وأوضح بلحاج، في تصريح إذاعي، أن هذه التراخيص تُمنح للبلديات الساحلية وعددها 96 بلدية، مشيرًا إلى أنها تساهم –ولو بشكل موسمي– في خلق موارد رزق والحد من البطالة.
مشاريع تحرم الأهالي من شواطئهم
لكن في الجهة المقابلة، يعبّر عدد من المواطنين عن استيائهم مما وصفوه بـ”الاستحواذ على الشاطئ”، إذ لم يعد الوصول إلى البحر ممكنًا إلا عبر فضاءات خاصة تتطلب دفع مقابل، ما يجعل شريحة واسعة من السكان “محرومة من أبسط حقوقها الطبيعية”.
وكانت ولاية بنزرت قد أطلقت، سنة 2023، حملة جهوية مشتركة للتصدي للانتصاب الفوضوي بشاطئ “كوكو بيتش”، حيث تمّت إزالة عدد كبير من الواقيات الشمسية والمباني الخشبية التي تم تركيزها دون ترخيص، في “تعدّ صارخ على القانون”، وفق ما جاء في بلاغ رسمي.
الحملة أسفرت حينها عن تحرير 15 محضرًا اقتصاديًا، و15 تنبيهًا صحيًا، إلى جانب حجز عدد من المواد، فيما وُصف بأنه “تصدٍّ للتعدي على الملك العمومي والاستغلال غير القانوني للشواطئ”.
أي تأثير بيئي لهذه المشاريع؟
لا يقتصر الجدل على الجوانب القانونية والاجتماعية، بل يشمل أيضًا التداعيات البيئية لمثل هذه المشاريع، خاصة في ظل غياب دراسة جدوى بيئية واضحة وشفافة.
يشير مختصون في البيئة والمناخ إلى أن تحويل الشواطئ إلى فضاءات تجارية مغلقة عادة ما يكون مصحوبًا بأعمال تهيئة مفرطة، من ردم، وتسوية، وتثبيت أرضيات أسمنتية، وإضاءة، وصرف صحي، قد تسرّع من وتيرة انجراف الرمال وتهدد النظم البيئية المحلية.
كما أن تركيز المباني والمنشآت على مقربة من البحر دون احترام المسافة القانونية، يعرض السواحل إلى خطر التآكل، ويؤثر سلبًا على الكائنات البحرية الدقيقة مثل الأعشاب البحرية والقواقع التي تلعب دورًا هامًا في توازن المنظومة البيئية الساحلية.
إلى جانب ذلك، يشكو رواد البحر من تكدس الفضلات وبقايا النرجيلة والبلاستيك والزيوت في عدد من هذه الفضاءات، وسط غياب كافٍ لحاويات النفايات أو آليات التنظيف اليومي. ويُعد هذا الأمر مساهمًا مباشرًا في تلوث البحر، لا سيما في المناطق ذات الضغط السياحي العالي.
ويؤكد مختصون أن كل تدخل عشوائي أو جائر، في علاقة بالبحر باعتباره يمثل نظاما حيا هشًّا، يُخلّ بتوازنات لا تُرى بالعين، لكن تأثيراتها قد تظهر لاحقًا.
خيط رفيع بين الاستثمار والتجاوز
وفي حين ترى السلطات أن الإشغال الوقتي للشواطئ يتم وفق تراخيص قانونية ومحددة بزمن، فإنّ واقع الحال يكشف عن خروقات واضحة، سواء من حيث المساحات التي يُستحوذ عليها فعليًا، أو الخدمات المسعّرة بشكل مبالغ فيه، ما يُفرغ الشاطئ من طابعه العمومي.
ورغم تأكيد وكالة حماية الشريط الساحلي على مراقبة الوضع ميدانيًا، إلا أن ضعف التنسيق بين السلط الرقابية وتنامي الطلبات، يقابله اتساع رقعة المشاريع الخاصة.
من يملك البحر؟
في بلد يملك شريطًا ساحليًا ممتدًّا، يزداد التساؤل إلحاحًا: من يملك الحق في البحر؟ وهل يُمكن القبول بأن يتحوّل الفضاء الطبيعي المشترك إلى امتياز طبقي؟
أسئلة بات يطرحها المواطن البسيط كلما وجد نفسه أمام حاجز أو حارس أمن يمنعه من الجلوس على الرمل… بحجّة أنه ليس زبونًا في “الفضاء الخاص”.