وزارة السياحة تنهي الجدل حول “البوركيني”.. لا تدخل في لباس المصطافين بعد اليوم

بعد سنوات من الجدل المتكرر الذي  يتصدر الواجهة مع كل موسم صيفي، حسمت وزارة السياحة التونسية موقفها بإصدار بلاغ واضح يضع حدًا لتدخل بعض النزل في حرية لباس المصطافين، وخاصة ما يتعلق بلباس السباحة المعروف بـ”البوركيني”، الذي كان سببًا في موجات من الشكاوى والتذمر كل صائفة.

وأكدت الوزارة في بلاغها الصادر الأربعاء 9 جويلية 2025، أنه يُمنع منعًا باتًا على مسؤولي النزل ووكالات الأسفار التدخل في لباس الحرفاء أو ممارسة أي شكل من أشكال التضييق أو التمييز، وذلك احترامًا للحقوق الفردية التي يكفلها الدستور، وسعيًا إلى الحفاظ على النظام العام والأخلاق العامة وتقاليد البلاد، حسب تعبيرها.

ولم تقتصر الوزارة في توجيهاتها على ملف اللباس، بل شددت أيضًا على ضرورة احترام التشريعات المنظمة للقطاع، مؤكدة أن البيع المشروط ـ سواء عبر فرض مدة دنيا للإقامة أو شروط تعسفية على الشواطئ والمطاعم التابعة للنزل ـ يعتبر ممنوعًا بصفة قطعية.

من “البوركيني” إلى الحقوق الدستورية

ويأتي هذا البلاغ بعد أعوام من التوترات الاجتماعية المرتبطة بملف حرية اللباس، خاصة في المنشآت السياحية التي درج بعضها على منع النساء من السباحة بـ”البوركيني”، رغم كونه لباسًا مخصصًا للسباحة، يجمع بين الوظيفة العملية والتصميم المحتشم الذي تفضله العديد من النساء المحجبات في تونس وخارجها.

هذا النوع من الملابس، الذي يغطي كامل الجسم باستثناء الوجه والكفين والقدمين، ويُصنع من مادة مرنة ومناسبة للسباحة، حقق انتشارًا عالميًا واسعًا، لا سيما بين المسلمات اللائي يردن ممارسة السباحة دون التخلّي عن قناعاتهن الدينية أو خصوصيتهن الثقافية. ومع ذلك، كانت بعض النزل في تونس تتعامل معه كعنصر غير مرغوب فيه، وتمنع ارتداءه داخل المسابح، ما ولّد شعورًا بالتمييز لدى العديد من المواطنات.

ويُذكّر هذا النقاش المتجدد بالفصول الدستورية التي تكفل الحريات الفردية، وعلى رأسها الفصل 26 من دستور 2022 الذي ينص صراحة على أن “حرية الفرد مضمونة”، إلى جانب الفصل 22 الذي يقرّ بأن الدولة “تضمن للمواطنين والمواطنات الحقوق والحرّيات الفرديّة والعامّة” وتوفّر لهم “أسباب الحياة الكريمّة”.

صمت الجامعة التونسية للنزل

ورغم تكرار الشكاوى وتناقلها على صفحات التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية، فإن الجامعة التونسية للنزل لم تصدر أي توضيح رسمي في هذا الشأن، واكتفت بالصمت طوال السنوات الماضية، تاركةً المجال لتكهنات كثيرة حول الموقف الحقيقي للمؤسسات السياحية من مسألة اللباس، ومدى التزامها بالمبادئ الدستورية التي تجرّم التمييز على أساس اللباس أو المعتقد.

ويُطرح هنا تساؤل جوهري: لماذا ظلّت مؤسسات يفترض أنها تخضع لإشراف حكومي مباشر، تتصرف بمعزل عن التوجيهات الرسمية وتخرق أحيانًا صراحةً نصوص الدستور؟

بين حماية صورة السياحة واحترام الحريات

غالبًا ما يُبرّر منع “البوركيني” في بعض النزل بالسعي إلى “الحفاظ على صورة النمط السياحي التونسي” أو “احترام خصوصية بقية الحرفاء”، وهي تبريرات يرى فيها كثيرون مغالطة صريحة، خاصة وأن النمط السياحي الحقيقي ينبغي أن يُبنى على التنوع واحترام خصوصية كل فئة، لا على الإقصاء أو فرض نماذج موحدة من اللباس والسلوك.

وقد ساهمت هذه التجاوزات في عزوف فئات معينة من التونسيين، خاصة من العائلات المحافظة، عن الإقامة في النزل، في وقت يشهد فيه القطاع السياحي منافسة إقليمية شرسة تتطلب التكيّف مع حاجيات كل الشرائح، بدل فرض رؤى ضيقة قد تنفّر فئات واسعة من الزبائن.

خطوة أولى.. لكن هل تكفي؟

قرار وزارة السياحة الأخير يُعدّ خطوة إيجابية في اتجاه ترسيخ مناخ سياحي أكثر احترامًا للحريات الفردية والتنوع الاجتماعي، لكنه يسلّط الضوء في الآن ذاته على الحاجة إلى آليات واضحة تضمن تنفيذه على أرض الواقع.

ولا يزال الغموض يكتنف كيفية مراقبة مدى التزام المؤسسات السياحية بهذه التوجيهات، خاصة في ظل غياب منظومة رقابية فعّالة تُمكّن المصطافين من التبليغ عن التجاوزات ومعاقبة المخالفين. كما لم تُعلن الوزارة عن إجراءات ملموسة، مثل تخصيص خطوط تواصل مباشرة أو منصات رقمية، يمكن من خلالها توثيق الشكاوى ومعالجتها في آجال معقولة.

Share This Article