البلوزة البيضاء في مواجهة الدولة.. صرخة أطباء تونس ضد “التهديد والتهميش”

ببلوزاتهم البيضاء وشعاراتهم المرفوعة دفاعًا عن “الحق في الصحة”، احتشد عشرات الأطباء الشبان مساء الثلاثاء 1 جويلية 2025، أمام المسرح البلدي بالعاصمة تونس، في وقفة احتجاجية دعا إليها المكتب الوطني للمنظمة التونسية للأطباء الشبان، تنديدًا بما اعتبروه استهدافًا ممنهجًا لحقوقهم وتجاهلًا رسميًا لمطالبهم المشروعة.

وسط الهتافات التي دوّت في شارع الحبيب بورقيبة، صدحت أصوات الأطباء الشبان بشعارات تحمل طابعًا ساخرًا تارة وغاضبًا تارة أخرى: “وزير بلا قرار يمشي يشد الدار”، “يا طبيب يا ضحية، إيجي شارك في القضية”، “سبيطارات عمال لتالي والوزارة لا تبالي”، “صامدون صامدون، لا ترهيب ولا سجون”، وغيرها من الشعارات التي عبّرت عن حجم الاحتقان في صفوف المحتجين، على خلفية ما اعتبروه “تهميشًا مستمرًا لحقوقهم، ومحاولات قمعٍ لتحركاتهم النقابية”.

وعبروا، في هذا الصدد، عن احتجاجهم على قرار وزارة الصحة القاضي بـ”إجبار” الأطباء المقيمين على البقاء في مراكز التعيين الحالية، رغم ما يشكّله القرار من خرق واضح للفصلين 8 و37 من القانون المنظم للدراسات الطبية، وفق تأكيد المنظمة.

تهديد وتحريف للمسارات القانونية

جاءت الوقفة بعد فشل جلسة تفاوض عقدت يوم 30 جوان 2025، بين المنظمة ووفد حكومي ترأسه وزير الشؤون الاجتماعية، بتفويض من رئاسة الحكومة. ونقل عضو المكتب التنفيذي وجيه ذكار أن الوزير هدّد صراحةً أعضاء المنظمة بالتتبع القضائي في حال تواصل الاحتجاجات، مشبّهًا الوضع بما حصل مع جمعية القضاة، قائلاً: “أنا ما نهددش، أنا نفعّل”، وفق روايته.

وتُوّج الموقف الرسمي، وفق ما جاء في تدوينة وجيه ذكار، بتصريحات وصفها الأطباء بـ”الصادمة”، حين اعتبر الوزير أن “هجرة الأطباء ليست أزمة فعلية، بل تمثل موردًا للعملة الصعبة”، مُشيرًا إلى إمكانية الاستنجاد بأطباء من الصين كما حصل سابقًا مع أطباء من المجر، لسد النقص في المستشفيات التونسية.

“منصات التواصل بدل التشريع!”

لم يتوقف التصعيد عند هذا الحد. ففي خضم الاجتماع، نشرت وزارة الصحة بلاغًا عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك دعت فيه الأطباء المقيمين للالتحاق بمراكز التربص، وهو ما اعتبره الأطباء “انقلابًا على القانون المنظم للدراسات الطبية”، وتحريفًا لمسار الإجراءات القانونية، وتكريسًا لمنطق “الفايسبوك بدل التشريع”، وفق تدوينة وجيه ذكار.

وسجّلت المنظمة أن تهديد الأطباء، الذين يُصنّفون قانونيًا كطلبة في طور التكوين، تزامن مع تحركات فعلية لإجبارهم على الالتحاق بمراكز التربص، من بينها تحرير تساخير استنادًا إلى قانون الطوارئ، في خطوة وصفها رئيس المنظمة بـ”اللاقانونية”.

تصعيد رسمي مقابل مطالب متراكمة

وللتذكير، فقد طالبت المنظمة منذ أفريل الماضي بجملة من الإصلاحات، أبرزها تحسين الأجور والمنح، تقليص عدد ساعات المناوبة الليلية، مراجعة نظام التربصات، وإلغاء الخدمة المدنية الإلزامية. غير أن جلسات التفاوض لم تُفضِ إلى أي نتائج، بل قوبلت، بحسب المنظمة، بـ”تصلّب رسمي يعكس غياب نية حقيقية لإيجاد حلول”.

وتحدّث وجيه ذكار عن استخفاف الوفد الوزاري بالمطالب المطروحة، مؤكدًا أن الوزير المفاوض صرّح خلال الجلسة بأنه اطّلع على مطالب الأطباء “دقائق قبل الاجتماع”، رغم وجود الملف على طاولة الوزارة منذ أشهر.

دعم مدني وحقوقي واسع

وفي خضمّ ما يحصل، ساندت عديد المنظمات من المجتمع المدني تحركات الأطباء الشبان. فقد عبّرت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات عن استنكارها لما يتعرّض له الأطباء من “سياسة التهديد والتضييق”، مؤكدة أن الدولة انزلقت من إدارة أزمة اجتماعية إلى تجريم العمل النقابي، ومشددة على ضرورة احترام الاتفاقيات الدولية والدستور التونسي الذي يكفل الحق في الاحتجاج.

كما أيّدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان مطالب الأطباء، داعية وزارة الصحة إلى الدخول في مفاوضات جادّة، والعمل على ضمان الاستقرار المهني لهؤلاء الشبان. 

بدوره، عبّر ائتلاف صمود عن دعمه الكامل لتحركات الأطباء، مطالبًا بإيقاف لغة التهديد والسياسات التي تدفع نحو الهجرة.

تحذيرات أكاديمية سابقة

أعاد هذا التصعيد التذكير بما ورد في دراسة تحليلية نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية سنة 2022 للباحث سفيان جاب الله، الذي شبّه واقع الأطباء الشبان بـ”الوقوع بين مطرقة الاستغلال وسندان الهجرة”، محذرًا من تفريغ المستشفيات العمومية من كفاءاتها، وتحويل “الجيش الأبيض” إلى مجرد واجهة في دولة تدفع نخبتها الشابة نحو الاغتراب القسري.

بين التصعيد والإنكار: أزمة ثقة تتعمق

وأمام هذا المناخ المشحون، تتعزز قناعة الأطباء الشبان بأن الدولة لا تعترف بمطالبهم، بل تُمعن في تأزيم أوضاعهم، وتشجع ضمنيًا على هجرتهم. وتُطرح تساؤلات حقيقية حول مآلات القطاع الصحي العمومي في تونس، إذا ما تواصل هذا النهج الرسمي القائم على التهديد بدل الإصلاح.

وفي هذا الصدد، تؤكد المنظمة التونسية للأطباء الشبان أنها ستواصل تحركاتها السلمية، داعية المواطنين وكل مكونات المجتمع إلى الوقوف معها دفاعًا عن مستقبل الصحة العمومية، وكرامة الطبيب والمريض على حدّ سواء.

رئاسة الجمهورية على الخط

في خضمّ هذا التوتر، استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الثلاثاء 1 جويلية 2025، وزير الصحة مصطفى الفرجاني، وشدّد على ضرورة الإسراع في وضع نظام قانوني جديد يحفظ حقوق الأطباء والإطار شبه الطبي والعملة، ويصون كرامتهم، وفق بلاغ لرئاسة الجمهورية.

وقال سعيّد إن “تونس تعتز بخريجي كليات الطب، بل إن لها مدرسة يشع خريجوها في كافة أنحاء العالم”، مشيرًا إلى أن أعرق الكليات في الخارج تستدعي الأطباء التونسيين لما يتمتعون به من كفاءة، في اعتراف ضمني بتفاقم ظاهرة الهجرة الجماعية للأطباء.

الرئيس أكد أيضًا أن “العمل مستمرّ على كافة الجبهات، ومن بينها القطاع الصحّي”، داعيًا إلى “اتخاذ إجراءات عاجلة في انتظار إعادة بناء هذا المرفق العمومي من جديد في كافة مناطق الجمهورية”.

ولفت في السياق نفسه إلى أن تونس “تُقرض عديد الدول بما لا يمكن أن يُقدّر بثمن، ومع ذلك تحتاج إلى الاقتراض، نتيجة تراكمات داخلية من جهة، ونتيجة لحاجة الدول الأخرى إلى كفاءاتنا من جهة أخرى”، وفق نصّ البلاغ.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو الأزمة أعمق من مجرد خلاف بين طرف وآخر. فمطلب تحسين ظروف الأطباء المقيمين، لم يعد مجرّد ملف نقابي، بل تحوّل إلى قضية رأي عام، تمسّ جوهر السياسات العمومية في قطاعٍ يلامس حياة المواطن اليومية وكرامته. 

وبين انسداد أفق التفاوض واستمرار الاحتجاجات، يتواصل نزيف كفاءات طبية تُدفع دفعًا نحو أبواب المغادرة، بينما يزداد المشهد الصحي هشاشة وتعقيدًا.

Share This Article